كان أبو علاء، جيراننا لصق الدار، رئيس عرفاء شرطة، مأزوماً نفسياً وكئيباً غالب الوقت. كل يوم خميس يذهب عصراً الى إحدى حانات بغداد، يشرب ثم يعود الى بيته سكران فيبدأ بتكسير كل ما هو مصنوع من الزجاج، بحيث تمتلىء أرضية البيت، كل ليلة خميس، بشظايا الزجاج المتناثر في جميع الزوايا. كنا نحن، جيران أبي علاء، نراه حين يخرج من بيته عصر الخميس، وقوراً مرتدياً بدلته الرمادية، ملمعاً شعره وسابلاً شاربيه الكثين. وكنا نراه عائداً في المساء يترنح ويستند على الجدران الى أن يصل الى داره فيرفس باب بيته رفساً شديداً حتى تسارع زوجته لفتحه قبل أن يتحطم. أما نحن الجيران، شيباً وشباباً، أطفالا ونساء، فقد كنا نبقى صامتين بانتظار الزوبعة.

يبدأ المشهد هكذا: سعال متواصل تقطعه نتف من شتائم موجهة لا على التعيين… ثم أصوات أحذية وشحاطات وأشياء أخرى ترتطم بالجدران.. بعدها يتصاعد لغط كلام أشبه بالعتاب لكنه متشنج ومكبوت. وماهي إلا دقائق.. حتى ينبثق صراخ متوسل مصدره أم علاء. الكلام نفسه يتكرر: لخاطر الله أبو علاء… لخاطر عيون أولادك… ما ظل عدنه شي ينكسر.. والله هاي الصحون اشتريتهن بالدين… عند هذه النقطة تبدأ استعداداتنا، نحن جيران أبي علاء، يذهب أبي، ثم نلحق به، أخوتي وأنا فنقف جميعاً بجوار الحائط الذي يفصل بيتنا عن بيت أبي علاء… استعداداً للقفز عند الضرورة. ومع أول دزينة من الصحون تبدأ تتكسر بعد ارتطامها ببلاط غرفة أبي علاء، تصرخ أم علاء بكل صوتها: يا ويلي دخيلك أبو عبد الواحد. وماهي إلا لحظات حتى يكون أبي، أبو عبد الواحد، قد أصبح في باحة دار أبي علاء. وكما يهبط المظليون من السماء، نهبط من سياج الحائط، الواحد تلو الآخر فنحتل الدار.. أبي وأخي الكبير يمسكان بأبي علاء ويدخلان معه في عراك لكي يخلصا من بين براثنه بقية الصحون وكاسات الشاي، وأنا وأخي الآخر نذهب الى غرفة الأولاد لكي نهدىء من اهتياجهم ورعبهم وصراخهم.

تستمر الجولة نحو نصف ساعة يهدأ أبي علاء شيئاً فشيئاً، وتهدأ معه الشتائم الموجهة الى أم علاء وأجدادها وأعمامها وأخوالها، من دون سبب معلوم.. ثم يجلس على الأرض ويغطي وجهه بكفيه ويذهب في نشيج حار متواصل يخلع القلب. عندها نبدأ، نحن جيران أبي علاء، بالتسلل من بيته الواحد تلو الآخر وهذه المرة من باب الدار وليس عبر الحائط، شاعرين بالأسى والخجل.

هذه هي سهرتنا كل خميس لا يتغير فيها شيء سوى غياب البعض منا أحيانا، وهو الآخر لا يغير من المشهد شيئاً، فأبي، الذي لا يخرج من البيت إلا عند الضرورة، هو من يتكفل بالإمساك بأبي علاء عندما يبدأ يهيجانه والبقية يتولاها الآخرون.. ومع مرور الأيام صرنا نحرص جميعاً على أن لا نغيب مساء الخميس عن البيت، حتى أن أبي أنبني مرة لأنني غبت عن الدار في واحد من الخميسات قائلاً: "يعني ماكو يوم غير الخميس تروح تسهر بيه؟". وفيما بعد علمت أنني لست وحدي من كان غائباً في ذلك الخميس، بل أخوتي أيضاً، الأمر الذي جعل أبي يقوم بفك الاشتباك وحيداً.. وكانت الخسائر في ذلك المساء كبيرة جداً، إذ ليست الصحون والكاسات فقط ما تناثر على الأرض، بل الطناجر المليئة بالطعام والمروحة الحديدية التي (تفصخت) بعد ارتطامها بالحائط. تلا ذلك، العبث بصناديق الملابس التي رميت من الشباك الى الشارع، وتمزيق ثوب أم علاء.. وأخيراً شتم الجميع بما في ذلك أبي (أبو عبد الواحد).

بعد يومين أو ثلاثة أيام من ذلك الخميس الحزين، الذي قيل لي، فيما بعد، إن أبا علاء، ركل فيه زوجته فأخرجها من المطبخ مثل كرة، ثم رماها بصحن كبير تكسر على رأسها وتناثرت شظاياه في كل الاتجاهات، التقيت بأبي علاء تحت جدارية فائق حسن، في حديقة الأمة وسط بغداد. كانت مصادفة غريبة أن التقي به وهو في قمة الصحو، وقوراً وكئيباً، ملمعاً شعره وسابلاً شاربيه ومرتديا بذلته الرمادية ذاتها. وقف حين اقتربت منه وقال في ما يشبه الاعتذار عن قاموس من الأخطاء: أخي جمعة… تعال أبوس رأسك.. وإذا أردت أبوس حذاءك… لأنني تسببت لكم بما يكفي من الإزعاج… قاطعته خجلاً: استغفر الله أبو علاء.. أنت مثل أخي الكبير وكل ما حصل لا يستأهل اعتذارك هذا. قبلني وقبلته وكان يكاد يبكي، أو إنه بكى فعلا، ثم تركته يعود ليجلس على المصطبة في حديقة الأمة وذهبت.

بعد أيام من ذلك اللقاء المؤثر، وكنت عائداً الى البيت في وقت متأخر، وجدت أمي جالسة في باب الدار، على غير العادة، فتعجبت، قالت لي، قبل أن اسألها: أبوك أخذ أم علاء للمستشفى، وأبو علاء أخذوه الشرطة.
الى الاعلى