أنتظر على الرصيف بملل وحرج، طوال نحو عشرين دقيقة، حتى نقل العمال آخر كيس من تلك الأكياس الكبيرة المحشوة بالرسائل، إلى داخل مؤسسة البريد . همَّ بصعود الدرجات القليلة المتآكلة المؤدية إلى باب المؤسسة الداخلي، ثم توقف فجأة وكأنه تذكر شيئاً (من شبه المستحيل أن يتمكن العمال، خلال هذه الدقائق، التي مضت للتو، من تفريغ كل هذه الأكياس، ومن تصنيف الرسائل ومن ثم إيداعها العلب البريدية!) كان يفكر بملل زائد وبانزعاج (ثم مَن يضمن أن تلك الرسالة الموعودة، التي انتظرها منذ أشهر، وربما سنوات، موجودة مع هذه الشحنة من أكياس الرسائل؟)

تساءل مع نفسه جزعاً ثم عاد أدراجه إلى الرصيف ومنه إلى المقهى الصغير المعتم الواقع تحت جسر فيكتوريا (ماذا يحصل لو أني عدت بعد ساعة، وحتى ساعتين، فإذا كانت رسالتي في واحدة من تلك الأكياس، التي نقلها العمال، فستكون، بكل تأكيد، في طريقها إلى علبتي البريدية الصغيرة) شعرَ براحة لهذا الاستنتاج لكنه لم يتخلص تماماً من ذلك القلق الذي تغذيه هواجس غريبة (ماذا لو كانت الرسالة، التي انتظر بشغف منذ منذ كثير في ذلك الكيس الأزرق الضخم، الذي كان عامل البريد يسحله على الدرجات مثل خروف يُجرجَر للذبح؟! ولِمَ لا يكون ذلك الكيس قد تمزق على الدرجات وسقطت منه تلك الرسالة؟ ماذا لو أن ...)  

ـ سادة أُستاذ؟

قطع نادل المقهى، الطويل بإفراط (كما يسميه عادة) منلوجه، فحملق بوجهه برهة ثم أجاب باستسلام:

ـ نعم سادة مع كأس ماء .

نزع نظارته الطبية وبخ على زجاجها نثاراً من فمه ومسحها بقطعة ورق ناعم . أخرج صحيفة صغيرة من حقيبته الجلدية السوداء، (وضع النادل فنجان القهوة وكأس الماء على الطاولة) بدأ يتصفح جريدته بلا مبالاة فوقع نظره فجأة على خبر ملفت، قرأ باندهاش لهذه المصادفة: «حتى الرسائل محرمة على المنفيين» (كان الخبر الصحفي يتحدث عن ضياع، أو عدم وصول الرسائل التي يبعث بها المنفيون إلى أهاليهم ) عاد إليه القلق لكنه تذكر أن الأمر لا يعنيه كان باب المقهى يطل، من موقع جانبي، على بناية البريد الكبيرة الغبراء .... رشف من فنجان القهوة والتفت، دون قصد، ناحية الباب كان هناك شابان وفتاة يقفون عند مدخل المقهى فيمنعون عنه رؤية بناية البريد تضايق أول الأمر لكن الفتاة سرقت انتباهه لم يكن يرى وجهها بيد أن قوامها الرشيق واكتناز خلفيتها المضمومة في بنطال الجينز الأبيض، أغرياه فظل يمعن النظر، خلسة، بتقاطيع ذلك الجسد، مأخوذاً بشهوة دفينة طمرها العوز اليومي وذلك الانتظار الشغوف، لتلك الرسالة الموعودة .

ظل يُقلّب صفحات جريدته الصغيرة باصطناع وفوضى، لكي يواصل اختلاس النظر إلى خلفية الفتاة، ازداد تأججاً وهو يراها تميل صوب أحد الشابين بطريقة أبرزت، أكثر فأكثر، مفاتنها البارزة . كانت تضحك فيهتز جسدها اهتزازات تجعل من خلفيتها المكتنزة تتكور وترتفع ثم تهبط باهتزاز آخر ناعماً لكنه صاخب أيضاً . انتفخت خصيتاه وشعر بارتجاف يجتاح جسده كله. حاول أن يلتقط كأس الماء، الذي اندلق بحركة غير إرادية من يده المتوترة، فأوقع الكأس وفنجان القهوة معاً، فالتفت نحوه رواد المقهى والشابان وفتاتهما أيضاً، شعر بالخجل لكنه تخلص من توتره الجنسي وعاد يقلّب، بلا مبالاة، جريدته الصغيرة .

تطلع إلى الساعة ونهض مسرعاً . سار باتجاه البريد، صعد الدرجات القليلة، التي تؤدي به إلى الباب الدوار، ثم دلف إلى الرواق المعتم المليء بصفوف طويلة من العلب البريدية. توقف أمام علبته ودقق في رقمها جيداً قبل أن يلج فيها مفتاحه الصغير. صمت برهة كأنه يصلي ثم فتح العلبة . لم يكن هناك شيء سوى الغبار والعتمة. مد يده ليتأكد فتركت أصابعه خطوطاً على الغبار، ذكرته بتلك الخطوط، التي تركها الكيس الأزرق الضخم على الدرجات، عندما كان عامل البريد يسحله كما الخروف .

لم ينشغل، من قبل، بانتظار رسالة، كما هو مشغول هذه المرة، وبهذه الرسالة بالذات . ربما كان عوزه المادي، الذي بلغ حدوداً مخزية (كما كان يردد) واحداً من أسباب هذا الانشغال المرير . فهو منذ أشهر يتحايل على صاحب البقالية المجاورة لغرفته، لكي يبقي صفحة ديونه مفتوحة، أو لكي يتهرب من تسديد ما بذمته، أطول فترة ممكنة .

ولأن أسباب عدم تسديده دين البقالية، ضعيفة، أو غير مبررة في الأقل، بسبب مظهره الأنيق ولغته المهذبة والمثقفة في التعامل مع الآخرين، فقد كان يتجنب، طوال الأسابيع الماضية، المرور في الشارع الذي تقع فيه «بقالية الأمل» فيضطر لقطع مسافة التفافية مرهقة وموحلة، من أجل بلوغ غرفته في الأزبكية . تصادف مرة مع صاحب البقالية وجهاً لوجه، وكان مشهداً كئيباً، فقد حاول الإفلات دون جدوى، إذ لم يجد أمامه غير حل واحد هو عبور الشارع، بسرعة فائقة، إلى الجهة الأخرى. لكن سوء الحظ كان بانتظاره هناك أيضاً، فبعد هذه المخاطرة، وجد "أبو أمل" صاحب البقالية نفسه، يقف قبالته بالضبط، فهو الآخر كان قد قطع الشارع في اللحظة ذاتها، لأن بيته يقع في الجهة الثانية . انتهت المقابلة بسلام إذ لم يفتح "أبو أمل" أي حديث عن الدين واكتفى بسؤاله عن أحواله وعما إذا كانت الرسالة التي ينتظرها قد وصلته، بعد كل هذا الانتظار .

ستصل الرسالة لا محالة (قال لنفسه) ورمى بحقيبته الصغيرة على الطاولة بتكاسل وتعب، كمن يرمي بسيفه بعد معركة منهكة . ذهب إلى الفراش دون أن يفعل شيئاً، مع أن بطنه كانت خاوية (كان قد تساءل في المقهى: كيف يمكن أن يحدث لديه مثل هذا الانتصاب وبطنه خاوية؟) . أشعل سيجارته، التي يدخنها عادة قبل النوم، وهو يضع نصف جسده السفلي تحت الغطاء والنصف الآخر على حافة السرير العليا . تطلع في فضاء غرفته المعتم وكأنه يراه للمرة الأولى . كان الصباغ الزيتي قد تشقق من الرطوبة والقِدم فترك في السقف والجدران ما يشبه فوهات البراكين، يتطاير منها طحين رطب رمادي اللون، مع كل نسمة هواء تدخل من النافذة الوحيدة .

كانت صور النساء، نصف العاريات، قد فقدت بريقها من جراء تراكم ذلك الطحين الرمادي الرطب، فقام، مدفوعاً برغبة متأججة منذ الظهيرة، لينفخ في الصور، وعاد ليتمدد على السرير وهو يحدق بها كأنه يكتشفها للتو .

فكّر ملياً بتلك العبارة، التي انزلقت من ذهنه مثل حكمة عبقرية (ستصل الرسالة لا محالة) فأحس بالاطمئنان لأنه توصل أخيراً إلى حلٍ لتلك المعضلة، التي أرقته طوال الأيام الماضية. فما دامت الرسالة ستصل، كما توصل بفضل حكمته السديدة، فسوف تحل كل المشاكل دفعة واحدة ولا داعي، إذن، للقلق .

كان يستدعي، في العادة، واحدة من صاحبات الصور، كلما عزم على تهييج نفسه، لكنه قرر الليلة (أو هكذا جرى الأمر) أن يسهر مع صاحبة الجينز الأبيض وتكويرتها المغرية. هدأ ضجيج السيارات في الشوارع المحيطة بغرفته، مع هدوء أعصابه المتوترة، فانزلق، رويداً رويداً، في حوض الماء الدافئ المليء برغوة الشامبو، حتى بلغ الماء رقبته. مرت لحظات غائمة، اختلطت فيها الألوان والأضواء والأصوات والأمكنة. حطت حَمامات، بلا حركة، على حافة حوض الماء الدافئ، فلمح قصاصات ملونة تسقط من أرجل الحمامات، فتتطاير مثل أوراق شجر في الخريف . حاول أن يلتقط واحدة من تلك القصاصات، فانزلقت في حوض الماء وترسبت في القاع . حاول التقاط واحدة أخرى، كانت أشبه بمظروف رسالة ملونة، مد يده، فاستحالت شيئاً صلباً ساخناً ولزجاً، استهوته مداعبة ذلك الشيء، فطارت الحمامات من حافة الحوض وحطت على حافة السرير، لكنه ظل يحاول الإمساك بتلك الرسالة ليفك مظروفها الملون .

مد يده مرة أخرى، فانزلقت يده في منفذ معتم، بسبب لزوجة أصابعه . سقطت قصاصته في الحوض فاستحال الماء الدافئ أحمر قانياً، ثم اندلق على أرضية الحمام وانساب إلى غرفة نومه . ظل يحاول، يدخل يده في الكوة فتعود لزجة خالية، فيما الماء يندلق أكثر فأكثر فيشكل نهراً صغيراً من رغوة الشامبو، يتسرب بهدوء، وهو لا يزال يكرر محاولته للإمساك بقصاصة الورق الخضراء. قطع نهر الرغوة باب غرفة النوم فامتلأت به، ثم صعدت السرير وغطت الشراشف وكادت تصل صور النساء، شبه العاريات، المعلقة على الجدران . كانت فتاة الجينز الأبيض، بين تلك الصور . مد يده ليمسك بها فسمع ضحكات، كان مصدرها فتيات الصور . ترك القصاصة تسقط في الماء الدافئ وذهب يتفحص الفتاة صاحبة الجينز، ويحاول منع الرغوة من الوصول إليها، تلمّس صدرها وبطنها فانزلقت يده في فتحة الحوض، فتلمس شيئاً رخواً ساخناً. عاد يبحث عن القصاصة فلم يجد هناك شيئاً سوى الغبار والعتمة .  سقطت يده من على السرير وكانت رطبة ولزجة، فانطبعت أصابعه على الطحين الرمادي المتساقط من السقف، تاركة خطوطاً تشبه تلك التي تركها الكيس الأزرق، الذي كان يسحله عامل البريد، مثل خروف يجرجر للذبح . في صباح اليوم التالي كان جبار العراقي (بطل هذه القصة) خاوياً مهدود الأعصاب، مبللاً بعرقه اللزج، يعاني من حمى شديدة، لا يقوى على تذكر أي شيء سوى تلك القصاصة، الغبراء اللون، التي تسلمها من موظف البريد . مد يده بصعوبة إلى طرف الطاولة والتقط القصاصة وقرأ ثانية: «نبلغكم أن اشتراككم في العلبة البريدية رقم ألفين، التي كانت مسجلة باسمكم، قد إلغّي جراء عدم تسديدكم الاشتراك السنوي ... شكراً رمى بالقصاصة وردد مع نفسه: شكر!
الى الاعلى