انشغل المفكرون والباحثون العرب طويلاً وكثيراً بطبيعة "العقل العربي" نقداً وتقويماً و "تجريحاً وتقبيحاً" أيضا وصدرت، خلال العقود الثلاثة الماضية، عشرات الكتب لمعالجة معضلة هذا "العقل" بوصفها سبباً جوهرياً لتخلف الأمة وعائقاً أمام نهضتها وتقدمها. لكن أحداً من هؤلاء المفكرين والباحثين لم يلتفت، أو لم يأخذ بالاعتبار الجدي، الوجه الآخر لهذه المعادلة ـ المعضلة، أي "الفعل" العربي وليس العقل وحده. فكما تكشف لنا التجربة العيانية والتاريخية، على امتداد القرن الماضي، لم يتخلف "العقل" العربي عن استشراف الأحداث والمنعطفات أو عن ابتكار وابتداع الحلول والمعالجات. فهو نبه مبكراً (على سبيل المثال) إلى ضرورة إنجاز الوحدة العربية باعتبارها شرطاً للاستقلال والتقدم والحرية (بل والاشتراكية كذلك!) ولم تنجز الوحدة العتيدة  بسبب قصور "الفعل" وليس العقل العربي. ثم عاد "العقل" العربي وتواضع قليلاً فرفع شعار التضامن بدلاً من الوحدة، ولم يتحقق ذلك التضامن لا لقصور عقلانية الشعار إنما لقصور الفعل على إنجازه. وبعدما شهد "العقل" العربي تجارب الأمم الأخرى في ميادين التحالفات ذات الطبيعة الاقتصادية، تخلى عن شعاري الوحدة والتضامن ورفع شعار السوق الاقتصادية المشتركة، بيد أن الأمر بقي في حدود "المناوشات" التجارية، التي تمليها وتتحكم بها الدوافع السياسية والمصالح العابرة، وليس المصالح العليا والإيمان بوحدة المصير المشترك.

    فهل كان السبب، وراء ذلك كله، تخلف "العقل" أم "الفعل" العربي؟

    وفي أيامنا هذه، وبعيداً عن الشعارات والاستراتيجيات الكبرى، يبدو العقل العربي أشبه بالحكيم العجوز الجالس على قارعة الطريق، ينظر بإشفاق إلى "الفعل" العربي وهو عاطل عن الإتيان بأي شيء (أو بأي فعل!) حتى للدفاع عن نفسه، أمام تحديات لا سابق لها، قد تجتاح مصائر المنطقة وشعوبها بقضها وقضيضها. ومع ذلك لا أحد من المفكرين والباحثين العرب، من يكرس أو يفرد كتاباً لدراسة معضلة "الفعل" العربي المشلول بوصفه العائق أمام نهضة الأمة وتقدمها ولحاقها بالأمم الأخرى.

    السؤال الضروري الوحيد الذي لم نسأله قبلاً، هو ما المقصود بالعقل العربي، الذي درسه مفكرو وباحثو الأمة؟ هل هو عقل المؤسسة الحاكمة (السلطان، الأمير، الشيخ، الزعيم، الدكتاتور، الجنرال، الرفيق) أم عقل المبدع، الشاعر، المفكر، المعرفي، الحقوقي، المنتج؟ والجواب يحتاج بالطبع إلى فعل لتحديد ماهية الأمر!

الى الاعلى