كانت أمي تقول دائماً: العمر مثل السيجارة. وكنتُ صغيراً لا أفقه معنى تلك العبارة، التي كانت أمي ترددها في أوقات مختلفة وحتى متناقضة. فهي تقولها عندما تكون حزينة وتقولها أيضا وهي فرحة، ومن حيرتي كنتُ استغرق في النظر إلى خيط الدخان، الصاعد من اصبعيها النحيلين، وهو يرسم دوائر متكررة تشبه علامة السؤال، تتناثر كالسحب الصغيرة فتحجب عني رؤية وجهها الكئيب المتغضن.

     بعد عشرين سنة على وفاتها كمداً، اكتشفت بلاغة تلك العبارة، لكنني اكتشفت أيضا أنها خاصية عراقية بامتياز. فهكذا هو عمر العراقي، منذ استولى الديكتاتور على قلب بغداد، حتى ضيعها،أو سلمها لقوات الاحتلال.  ومن كثرة الموت صار افتتان العراقي بالقبور أمراً مريباً. فعلى الرغم من أن رؤية القبور تذكر الناس بضرورة الاستفادة من حياتهم، كما يقال، إلا أن العراقيين يفعلون العكس، فحياتهم البائسة المهددة بالمخاطر، تذكرهم على الدوام بضرورة الاستفادة من الموت. ولذلك ليس مصادفة أن تكون لدينا في العراق مقبرة هائلة في اتساعها، كان يتزاحم على المتر المربع فيها، بشر من شتى الأصقاع يأتي بهم أبناؤهم وأحفادهم من أطراف الهند والسند والباكستان وإيران والبحرين وأفغانستان، فتتعفن جثثهم في الصحراء قبل أن يصلوا مقبرة السلام في النجف الأشرف.

     ومن (بركات!) الحروب، التي دخلها العراق جراء مغامرات صدام حسين، ولم يخرج منها طوال العشرين سنة الماضية، فقد كفت مقبرة النجف عن استقبال غير العراقيين، فاستراحت واستراح العراقيون من مزاحمة الغرباء وجثثهم المتعفنة. لكن الحروب لم تترك للمقبرة فرصة للتأمل أو استراحة  للمحارب، لهذا اتسعت فلم يعد يُعرف لها طول من عرض.

    عندما سألت أحد أخوتي، أثناء زيارتي لبغداد في تموز العام الماضي، عن أماكن قبور العائلة في النجف، كي أزورها، راح يصف لي شوارع وأزقة ومنحنيات وشواهد وشارات وعلامات.... كي يدلني على مقبرة العائلة، فاستوقفته كي لا يقول لي أن حدود مقبرة النجف بلغت بغداد. لكنه أستطرد شارحاً: نعم هي هكذا لو أن أتساعها جرى باتجاه بغداد وليس باتجاه الصحراء.

    المفارقة العجيبة، وحياة العراقيين كلها عجائب وغرائب، أن أحداً لم يخطر في باله، كما أعتقد، أن مقبرة النجف يمكن أن تصبح يوماً مثلها مثل الكثير من المقابر في العراق، كما هو عليه الحال اليوم. بل لم يكن ليخطر على البال أن هناك مقابر، من نوع آخر، ستنافس مقبرة النجف يوماً، على اتساعها وشهرتها وتاريخها، وعلى كثافة زوارها من أولئك الباحثين عن رائحة موتاهم وذكرى أحبتهم. وها نحن نسمع، بين يوم وآخر، أخبار اكتشاف المقابر الجديدة... مقابر الموت الجماعي، أو ما اصطلح على تسميته بالمقابر الجماعية، ومن آخر هذه المقابر، مقبرة المحاويل، التي يتوقع الخبراء ( حتى المقابر أصبح لها خبراء!) أنها تضم بين عشرة وخمسة عشر ألف جثة، أو رفات، لرجال ونساء وحتى أطفال .. ترى أي قدر ذاك الذي يتربص حياة العراقيين في كل عقد من الزمن، وفي كل حقبة من الحقب؟ وأي شيطان رجيم، ذاك الذي كان يتربع على كرسي من رخام المقابر؟

    ما أتذكره، من حديث أخي عن حكاية المقابر، تلك المفارقة القاسية، فعندما سألته كم وصل عدد المقابر الجماعية في العراق؟ قال: كلما حفر أبناء الجنوب تحت التراب وجدوا المزيد من الجثث، أما في قرى ومدن عائلة صدام وأعوانه، فكلما حفروا عثروا على المزيد من أكياس الدولارات مدفونة في التراب!!

الى الاعلى