في الخمسينات، وحتى الستينات لم تكن هناك آلات كتلك التي نراها اليوم لتزفيت الشوارع، ولهذا كان العبء الأساسي يقع على (القيارة) وهم عمال مفتولي العضلات يمسكون بألواح مستطيلة من الخشب، أو بلوح واحد طويل يتوزعون للإمساك به، كل من طرف، ويقومون بجرف القير، كما تفعل الآلة الضخمة الآن، حين يرمى في جوفها القير فتأخذ برصفه وتوزيعه على المساحة المطلوبة، قبل أن تمر عليه الحادلة الثقيلة لتسويته بالأرض. عندما كنا نعود من المدرسة، في تلك الأيام، كنا نتوقف طويلا لمشاهدة عمال تزفيت الشوارع، وخاصة علي القيار، أحد هؤلاء العمال وهو يقوم بعملية التزفيت بمفرده ماسكاً بلوحه الخشبي الطويل والضخم جارفاً به القير الملتهب في عز الظهيرة. ماكان يستوقفنا أمام ذلك المشهد هو عضلات علي القيار المفتولة وصدره العريض المفصّل والمجسّم، الذي كان يكاد أن يتفتق حين يقوم بجرف القير بلوحة الخشب. كان علي القيار طويلاً بعض الشيء ومهيباً بعضلاته القوية، ووسيماً في الوقت ذاته. ولهذا كان موضع إعجاب لا النساء وحدهن، بل والشباب كذلك ممن يرون فيه فتوتهم المفتقدة أو المؤملة. وكنا نحن، الذين نقف نتفرج على عضلاته، بعد خروجنا من المدرسة، أولاداً صغاراً لم نكن نفقه ذلك الحسد الدفين في قلوب شباب المدينة إزاء علي القيار، ولا كذلك افتتان النساء به.

تمر السنون وتحل الآلات الجديدة محل عمال القيارة، ولكن علي يظل موضع إعجاب لأنه لم يتوقف عن تنمية وصقل عضلاته. ومع إنه لم يدخل نادياً رياضياً لكمال الأجسام، إلا أنه استطاع أن يفوز ببطولة العالم في هذه الرياضة، وكان ذلك في بداية السبعينات.

كان فوز علي القيار موضع فخر لأبناء تلك المدينة الفقيرة، التي كان علي واحداً منها. إذ كان يعيش وسط عائلة معدمة لاتملك شيئاً، وكان لديه أخوة صغار يعيلهم بمفرده. وحين كبر أحد أخوته وصار شاباً، ذهب ليتعلم رياضة الملاكمة، فأصبح ملاكماً جيداً، خلال فترة قياسية. في أمسيات الخميس كانا، علي وشقيقه الملاكم، يسهران على سطح الدار، وما أن يدب دبيب الخمرة في رأسيهما، حتى تبدأ المناقرات التي تتحول الى مشاجرة وعراك بالأيدي، بدون أسباب معلومة. كانت تلك هي (السهرة) الحقيقية لنا جميعاً، نحن جيران علي القيار وأخيه الملاكم. فبعد العاشرة من مساء الخميس الموعود، يتحول بيتهم الى ما يشبه السيرك الصغير. يقف الناس على سطوح دورهم المجاورة ويذهب آخرون، مجازفين، الى باب البيت، الذي تدور فيه المعركة الطاحنة بين الشقيقين القويين. والملفت في الأمر أنهما كانا يتقاتلان بقسوة غير متناهية. فحين تتاح فرصة للملاكم يشبع أخيه لكما حتى تنفجر الدماء من فمه وأنفه، لكن ما أن تتاح مثل هذه الفرصة لعلي القيار، حتى يتحول الملاكم بين يديه الى ما يشبه الكرة أو الخرقة، يضرب بها هذا الجدار وذاك ثم يرمي به الى السقف.

تنتهي المعركة في ساعة متأخرة من الليل بعد أن ينهك المتقاتلان تماماً، لكنهما يعودان في الأيام التالية الى حياتهما الطبيعية وكأن شيئاً لم يكن. يظل علي القيار نجماً طوال سنوات السبعينات، محتفظاً بذكرى فوزه ببطولة العالم مثل تعويذة. إلا أن نحس الفقر والبطالة لن يفارقه يوماً. يضاف الى هذا موقف الحكومة السلبي منه. فعندما جاء البعثيون الى السلطة، قبل السبعين بسنتين، أدعو أنهم سيطوون صفحات الماضي ويبدأون بصفحات جديدة، لكنهم ما أن ثبتوا أقدامهم في السلطة، حتى بدأوا بنبش تواريخ الناس والتفتيش فيها. ومن سوء حظ علي القيار أن له صفحة سوداء بالنسبة للبعثيين. فقد سبق له أن خرج في صبيحة 8 شباط 1963 لمواجهة انقلابهم، مثله مثل آلاف من الناس ممن كانوا يعشقون الزعيم عبد الكريم قاسم، أو أن لهم صلة ما بالحزب الشيوعي العراقي. وكان علي، في تلك الأيام، يجمع بين الصفتين:  حبه لقاسم وصلته بالشيوعيين. وكان هذا يكفي ويزيد لاعتباره، من قبل البعثيين، شخصاً غير مرغوب فيه، حتى وإن كان فائزاً بجائزة نوبل. في الثمانينات، لف الفقر والإهمال حياة علي القيار حتى لم يعد يتذكره الناس لا سلبا ولا ايجابيا، وتراجعت في أذهان الشباب وقلوب النساء، صورة الفتى الوسيم مفتول العضلات، والفائز ببطولة العالم للكمال الجسماني. وفي أواخر التسعينات بلغت التعاسة بعلي القيار حداً آثار شفقة الصحافة، فكتبت عنه واحدة من الصحف تقول: ترى هل يعقل أن مواطناً بمستوى ما قدمه علي القيار لبلاده من إنجازات، يتقاضى راتباً تقاعدياً لا يساوي ثمن ربع دجاجة كل ثلاثة اشهر؟
الى الاعلى