بدأ اهتمام العرب بالتأرخة مع الإسلام، وكان أول تأريخ كتبوه هو السيرة النبوية، ثم الحديث النبوي. وكان أول الرواة في هذا المجال، هم الصحابة ومن ثم تلامذتهم، وبعد ذلك ظهر المؤرخون، في بدايات القرن الثاني، ليدونوا ما سمعوه من الرواة، الأوائل. ومن بين أقدم وأهم هؤلاء المؤرخين، كان أبو مخنف لوط بن يحيى (157هـ) الذي كتب عدداً كبيراً من التواريخ المبكرة، أصبحت فيما بعد، مصادر أساسية للمؤرخين اللاحقين كالطبري واليعقوبي وسواهما، ويعد وجود هذه المصادر الأساسية عنصر توثيق مهم لما وصلنا من كتب التاريخ، لأنها أخذت من تلك الينابيع الأولى، إلا أن الأمر كان قد تغير بعد وفاة جيل أو مخنف ومن قبل تلامذة الصحابة. ومع بداية اتساع رقعة الدولة الإسلامية، حيث لم يعد بوسع المؤرخ حضور الأحداث أو سماعها من رواتها الأساسيين. ومع تركز النشاط الفكري والثقافي، حيث أصبح للمؤرخ مقر عمل محدد في حاضرة معينة، فإن تجربة أبي مخنف لم تعد تتكرر هنا، إذ قد تمر حقبة كاملة ولا يظهر لها مؤرخ، فيسجلها مؤرخ آخر يأتي في حقبة لاحقة، فيكون المصدر الأساسي هم الرواة. ولأن الرواية كانت في بدايتها شفاهية فهي لذلك، تعتمد على موهبة الحفظ وقوة الذاكرة، إذ لا يستطيع كل من شهد الحدث أن يكون راوية له. ونظراً لتأخر كتابة التاريخ عن زمان وقوع الحدث لذلك غالباً ما يقع الخطأ في الرواية، سواء من جهة ما يتعرض له الراوي من النسيان والخلط أم من جهة تسلسل الرواة، حيث تتلاعب ذاكرة كل راوية بصيغة الحدث فتبعده قليلاً أو كثيراً عن أصلة.
وإذا أخذنا بالاعتبار هنا العوامل السياسية والمصلحية التي تلقي بظلها على صدقية الرواة وموثوقية ما يروونه من أحاديث، حيث كان أصحاب المصالح، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية، يبحثون دوماً، في النص المقدس أو بواسطته، عن غطاء شرعي يضفونه على الأحداث التاريخية، وبما يخدم مصالحهم ومواقعهم، فسيتبين لنا، مما سلف، ما تعرض له الحديث والسنة النبوية الشريفة عموماً، من تشويه وتزييف ونقل غير أمين، الأمر الذي خلق تعارضات وتناقضات شتى بين رغبة رجال السياسة والمصالح في التلاعب بالنص المقدس، وبين إرادة العلماء الثقاة في الوقوف بوجه هذه الرغبة، وهو ما استوجب وضع الفقه ومفاهيمه وطرق بحثه في دائرة التحقق والتقصي العلمي، في غير مرحلة من مراحل التاريخ، وهذا بالضبط ماجرى مع ظهور فن الجرح والتعديل، وهو من أهم فنون التوثيق التاريخي، لأنه يدرس لا فقط شخصية الراوي وسيرته بكل تفاصيلها المتوفرة، بل ومعرفة ماقد تتعرض له ذاكرته من خلل ناتج عن مرض أو شيخوخة.
لذلك فقد توصل خبراء الجرح والتعديل إلى نتائج مهمة وباهرة في معرفة أشخاص الرواة وسيرتهم، وعلى أساس ذلك صنفوا الأحاديث إلى متواتر، وصحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع، تبعاً للثقة بسيرة الراوي، واستطاعوا كشف مجموعة كبيرة من الأحاديث الموضوعة لضعف السند. وفي هذا الشأن يمكن الإشارة إلى تجربة البخاري الذي تصدى لهذه المهمة وخرج باستنتاجات خطيرة. فقد تمكن البخاري من مقابلة (1080) شخصاً وجمع ستمائة ألف حديث لغرض التثبت منها عبر "معالجة الروايات إلى اقصى حد، وجمع الأقوال المكررة، كي لا يهمل أية وجهة نظر، وبخاصة الشك والشهود والرواة (...) وعندما بلغ علم البخاري أشده بدأ يميز الأحاديث الصحيحة من غيرها"*، فكانت النتيجة التي توصل إليها هي الإبقاء على (7275) كأحاديث صحيحة. وبحذف المكررات من بينها تصبح أربعة آلاف حديث فقط*. والسؤال المباشر الذي تثيره هذه التجربة الفريدة هو إذا كان حتى زمن البخاري، أي أقل من مائتي سنة على وفاة الرسول الكريم (ص) قد وجد متداولاً (596) ألفاً و (725) حديثاً غير صحيح، أي كاذب أو محرّف أو منقول نقلاً غير أمين، فهل يمكن تخيل ما هو عليه الأمر في أيامنا هذه؟ وكم سنحتاج من خبراء الجرح والتعديل من أمثال البخاري لتصفية ما تراكم بالأطنان من تلك الأحاديث المزورة والموضوعة والكاذبة؟
هذا هو الحال الذي وجدنا أنفسنا فيه بعد أربعة عشر قرناً، إذ يمكن أن نسود مئات وآلاف الصفحات بتلك الأحاديث التي تضج بها كتب بعض الفقهاء والمفسرين، ممن كانوا مستعدين لوضع أنفسهم تحت إمرة رجال الحكم والسياسية، الذين كانوا يسعون إلى دفع المؤتمنين على العلوم الدينية، لاختلاق الأحاديث التي تساعدهم في إدامة سلطانهم وإضفاء الشرعية على ما يأتون به من أفعال وممارسات وتصرفات،مخالفة للنص المقدس وللسنة النبوية، لكننا سنقتصر هنا على الأحاديث ذات الصلة بموضوع المرأة وسنبدأ بأول حديث كاذب وهو القائل "دفن البنات من المكرمات" فهذا الحديث المنسوب زورا إلى الرسول (ص) لا يحتاج، بطبيعة الحال، إلى خبير بالجرح والتعديل لكي يكتشف حقيقته، لكنه يثير سؤالاً مهماً، لا عن الدوافع التي تكمن وراء وضعه فقط، بل عن تلك الجرأة المتناهية في وضع حديث يناقض أول وأهم إجراء نص عليه القرآن الكريم في ما يتعلق بعادة الوأد الجاهلية المشينة، حيث أوصى المسلمين "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا"*. ولاشك أن مثل هذه الجرأة ستحيلنا حتماً إلى ضرورة التبصر في حقيقة أن دوافع الكذب والتزييف والتزوير إنما تتعدى أحياناً حدود المنطق أو الحاجة إلى المال أو التزلف للحاكم، ذلك أن تقويل الرسول (ص) حديثاً كاذباً بهذه الصورة المكشوفة إنما يدل دلالة أكيدة على أن أمثال واضع مثل هذا الحديث، يتميزون بصلافة غريبة من شأنها أن تجعلهم لا يتوانون عن الإتيان بالأراجيف والهرطقات من كل شكل ولون. وهؤلاء هم أنفسهم الذين قال عنهم الإمام مالك بن أنس، في قواعده الشهيرة لتمييز الصحيح عن غيره من الأحاديث "لايمكن تلقي العلم من سفيه ولا ممن تتحكم بهم الأهواء ولا ممن يمكنهم إدخال البدع ولا من كذاب يروي أي شيء للناس(...) وأخيرا لا يسوغ تلقي العلم من شيخ حتى ولو كان تقياً محترماً، إذا لم يكن متقناً للعلم المفترض أنه ينقله"* بل إن الإمام مالك ينصح بأن يتخذ السلوك الشخصي في ا لحياة اليومية كمعيار للتأكد من صحة مصدر الحديث فيقول "استبعدت أشخاصاً كرواة للحديث، ليس لأنهم كذبوا، بصفتهم رجال علم، في روايتهم لأحاديث كاذبة لم يقلها النبي (ص) وإنما بكل بساطة لأنني رأيتهم يكذبون في علاقاتهم وتعاملهم مع الناس في العلاقات اليومية، مبتذلين لا يوجد عندهم شيء من العلم"*.
على منوال هؤلاء سار أولئك الذكوريون أصحاب المصالح والأهواء في محاولاتهم لتحريف وتزوير منجز الإسلام الحضاري في شأن المرأة، حيث بوسع المرء أن يجد لا المناقض والمحرّف والناقص والموضوع من الأحاديث، وهي محتشدة في كتبهم، بل وما هو كاذب ومسيء للرسول (ص) وللإسلام عامة. وإذا كان لابد من الأمثلة فإننا سنورد هنا بعضها.
ـ لا يسأل الرجل فيما ضرب أهله.
ـ لا يجلد أحدكم امرأة جلد العبد، ثم لعله يعانقها ويجامعها من آخر اليوم.
ـ إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة.
ـ لو كنت آمراً أن يسجد أحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها (...) لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبلته امرأته تلحسه، ما أدت حقه.
ـ أطّلعت في النار فإذا أكثر أهلها من النساء، فقلن: لمَ يا رسول الله؟ قال: يكثرن اللعن ويكفرن العشير، أي الزوج المعاشر.
ـ أيما امرأة أقسم عليها زوجها قسماً لم تبره هبطت منها سبعون صلاة.
ـ المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة وإن استمتعت بها وفيها عوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فأن ذهبت تقيمه ينكسر وإن تركته لم يزل أعوج.
ـ مثَل المرأة الصالحة بين النساء مثَل الغراب الأعصم بين مائة غراب.
ـ اتقوا الدنيا والنساء فإن أول فتنة بني اسرائيل كانت النساء.
ـ إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة، فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما فيه نفسه.
ـ النساء حبائل الشيطان، أخروا النساء حيث أخرهن الله.
ـ وإذا كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمرأة والمسكن.
ـ المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان.
ـ للمرأة عشر عورات، فإذا تزوجت ستر الزواج عورة، وإذا ماتت ستر القبر العشر عورات.
ـ النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.
ـ إذا تزوج أحدكم أو اشترى خادماً....*.
هذه، باختصار، بعض الأحاديث المنسوبة للرسول (ص) وإذا كان الكثيرون، بينهم رجال دين وكتاب إسلاميون متنورون، قد رفضوا من قبل، مثل هذه النسبة، فلأن تلك الأحاديث تتناقض وتنافي كلياً مجمل وصايا الرسول (ص) وأقواله وأفعاله، بل وتناقض القرآن ونصوصه المقدسة، وهي بالتالي، تشكل إساءة بالغة للإسلام ولمنجزه التاريخي المتقدم في شأن المرأة، إذ من غير المنطقي أن ينسب إلى الرسول (ص) حديث يقول "لا يسأل الرجل فيما ضرب أهله" وهو القائل "ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم" بل إن الرسول (ص) لم يضرب زوجة من زوجاته على الإطلاق كما تؤكد جميع الروايات عن حياته العائلية وكان يكره ذلك. ومن غير المنطقي أن ينسب إليه القول "لا يجلد أحدكم امرأة جلد العبد ثم لعله يعانقها ويجامعها من آخر اليوم" والقرآن لا يبيح عقوبة الجلد إلا في حدود الزنا البين. كما ليس من العقل بشيء تصديق أن الرسول (ص) قال بأن "المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان" فيما القرآن يخاطبها كبشر ويعدها بالحياة الطيبة "من عمل صالحاً من ذكر وأنثى".
إن الشعور بالحيرة والأسف، الذي ينتاب المرء وهو يتفحص قوائم الأحاديث الطويلة المنسوبة زوراً للرسول (ص) والتي لا يبدو أن لها وظيفة سوى الحط من قيمة وكرامة المرأة مقابل إعلاء شأن الرجل وذكوريته، هذا الشعور سيتحول إلى شكل من أشكال العجب والدهشة، عندما يتعلق الأمر بما تحفل به الكتب المعاصرة ونشرات وكراريس الجماعات الإسلامية، من وصايا وأحاديث مختلقة اختلاقاً، في شأن المرأة، مما لايرضاه غير الجهلة ومرضى النفوس والعقول، فكيف بدين الرسول الكريم والسنة النبوية الشريفة؟ لكن ومما يؤسف له شديد الأسف، أن تلك الأراجيف التي نقضت الدين الإسلامي وأساءت إليه، قد تسربت إلى عقول قطاعات كثيرة من المسلمين، فخلقت عندهم صورة مشوهة للمرأة ولشخصيتها ولدورها في الحياة الاجتماعية.
ففي هذه الكتب والنشرات، إذا كان لابد من الأمثلة، لا تتخذ المرأة صورة الشيطان حين تقبل أو تدبر، بل هي الشيطان ذاته لأنها "أخطر ابتلاء دنيوي على الإطلاق" كما يصرح أحد رجال الدين المعاصرين ولذلك ينبغي على الرجل أن يسلك مع النساء كما يوصي فقيه آخر "سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة وتتبع الحق في جميع ذلك، لتسلم من شرهن فإن كيدهن عظيم وشرهن فاشٍ والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل" ولأن هذه هي المرأة، بالنسبة لهؤلاء، فسيكون لمس الخنزير الملطخ بالطين أفضل من لمسها، كما يروي الحديث التالي ".. ولأن يزحم رجل خنزيراً ملطخاً بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبيه منكب امرأة لا تحل له" لكن هذه المرأة نفسها وحين يتعلق الأمر بذكورية الرجل أن يستمتع بها متى شاء" ولذلك لابأس من بعض التسامح والصبر عليهن واحتمال الأذى منهن (فقد) كان رسول الله (ص) يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق، (لكن) يجب أن لا ينبسط بالدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها" أما إذا كان لدى المرأة بعض الكبرياء فهناك الكثير من النصائح من أجل ذلك "وهو علاج رادع للمرأة، مذلك لكبريائها" والمرأة عند هؤلاء لا وظيفة لها غير تطمين حاجة الرجل الجنسية والإنجاب، فهم يقولون مثلاً إن الله "أقام تكوينها النفسي والجسمي على نحو يجعلها متعة للرجل أكثر من أن يكون الرجل متعة لها" لذلك "خلقت الفطرة في المرأة ميزة الجمال والصباحة وصفة الإمتاع والتسلية" ومادامت المرأة كذلك فيجب، بطبيعة الحال، إبعادها عن الحياة الاجتماعية وقبل ذلك عن ميادين العمل لأن هذه الميادين كما يفتون "تتطلب الاختلاط بالرجال والخلوة معهم وهذا محرم شرعاً ولأسباب تتعلق بتكوين المرأة نفسياً وجسدياً" إذن على المرأة أن تبقى سجينة البيت لأن "البيت هو مثابة المرأة التي تجد فيه نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى، غير مشوهة ولامنحرفة ولا ملوثة ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة" أي وظيفة المتعة ليس إلا. إما إذا خرجت المرأة إلى العمل واستقلت اقتصادياً فإن هذا سيعرضها إلى الإصابة بعدة أزمات نفسية، هكذا ينصح هؤلاء المرأة، أما الأزمات فهي "أزمة ضعف الإحساس بالأنوثة وأزمة العزلة كلما تقدم بها السن ولم توفق إلى زواج" وهكذا تهير المرأة بين أن تستقل اقتصادياً (أي أن تعمل) فتصاب بكل هذه الأزمات، وبين أن تبقى في البيت فتحتفظ بخصائصها كامرأة، وعليه ليس العمل وحده لا يصلح للمرأة ولا تصلح له، بل والتعليم كذلك، كتحصيل حاصل، فهي "ليست في حاجة إلى التبحر في اللغات المختلفة وليس في حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، فستعلم عن قريب أن المرأة للمنزل أولاً وأخيراً" أما على صعيد الحقوق السياسية فهي مبعدة عنها أصلاً لأن "الرجال وهم أكمل عقلاً من النساء لم يحسنوا أداء هذا الحق (حق الانتخاب) فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين"؟
هكذا يخلص الفقيه المؤتمن على عقيدة المسلمين إلى تساؤل لا يترك مجالاً للأخذ والرد، بل ولافرصة لمناقشة، أنه يغلق الباب بذلك السؤال الذي يشبه المزلاج الثقيل، أمام أي كلام عن حق المرأة في أن تشارك في الحياة السياسية أو الاجتماعية أو عن حقها في أن تتعلم أو تعمل أو تفكر أو أن تخرج إلى الشارع، لكن أهذا هو موقف الإسلام من المرأة؟ متى وأين، وفي أي نص قرآني أو حديث شريف موثق، قال الإسلام إن المرأة شيطان وعورة وسفيهة وسيئة الخلق ومشؤومة وشريرة ومخلوقة من ضلع أعوج وخطير البلاء؟ متى وأين قال الإسلام ان الله خلق المرأة لتكون مجرد جسد لا وظيفة له سوى إمتاع الرجل وإنجاب الذرية له؟ متى وأين حلل الإسلام إذلالها ودوس كبريائها وكرامتها وسجنها في البيت ومنعها حتى من الخروج إلى المسجد؟
متى وأين حرم الإسلام تربيتها وتعليمها واشتغالها وتحصيل قوتها وقوت عيالها؟ هل لكل هذه الأراجيف صلة ما بالإسلام وأين نحن من الإسلام الحقيقي، هل نحن ملتزمون بمنجزه التاريخي المتقدم أم أننا نتشدق به حسب؟ هل غادرنا الجاهلية حقاً، وكما أراد لنا دين محمد (ص) أم أننا لانزال نقبع في ظلامها وظلمتها؟
لن تفيدنا هنا، كثيراً، تلك الإجابات الحاسمة، سواء كانت بالإيجاب أم بالنفي، ذلك أن الأمر أكثر تعقيداً من إجابة عابرة نلقي بها اللوم على أنفسنا أو على البعض وننفض أيادينا من المسؤولية، مثلما هو أبعد من مجرد ترديد للنصوص المقدسة والتمسح بها والآتيان بنقيضها عملياً، إن الأمر أعمق من كل ذلك وأكثر مدعاة للتأمل والنقاش الحر المسؤول، والهادف لا لمجرد الثرثرة والإدعاء، بل للوصول إلى قواسم مشتركة تجمع بين ما أوصانا به الدين الحنيف وبين مصالح أمتنا في التقدم والرقي والنهضة، فالمرأة ليست فقط نصف المجتمع، كما نردد دائماً، بل هي أكثر من النصف بحكم تأثيرها في أولادها وأسرتها ومحيطها، ولذلك سيكون من العبث أو الوهم أن نحلم بتحقيق نهضتنا المنشودة، ونحن نركن هذا الجزء الكبير والمهم من المجتمع في عتمة المنازل وخلف أردية الحشمة الزائفة. نعم هذا هو الواقع الحقيقي للمرأة اليوم. فبعد أربعة عشر قرناً من انعتاق المرأة على يد الرسول محمد (ص) ودينه الحنيف، يصر البعض على إعادة المرأة إلى عصور الظلام والانحطاط، لكي تقبع وراء الأبواب الموصدة بعيداً عن ميادين الحياة الاجتماعية الحقيقية، ميادين العمل والإنتاج والإبداع والمشاركة في بناء مستلزمات النهضة والتقدم، ولذلك فهذا البعض لا يريد للمرأة أن تفتح عينيها على النور والعلم والعقل بل يريدها أن تظل مكبلة بالخرافات والأساطير، وكل هذا يجري باسم الدين والدين الإسلامي بالذات الذي هو مثال الأديان على الموقف الإيجابي من المرأة وحقوقها الإنسانية. نعم هكذا يريد البعض أن يكون مآل المرأة، بعد كل هذه القرون المديدة، أن تبقى أداة للمتعة والتفريخ حسب. وعدا ذلك فهي لا تصلح لشيء ومن يريد مثالاً على ما نقول ما عليه إلا أن يذهب إلى مكتباتنا العربية ليقرأ العشرات والمئات من الكتب، التي تعيد جماعات التطرف الديني طباعتها بالملايين وإغراق المكتبات والجامعات والبيوت بها، بعد أن كان علاها الصدأ لأنها لا تنتمي للعصر ولا للإسلام الحقيقي.

المصادر:
1 ـ هادي العلوي /محطات في التاريخ والتراث/ دار الطليعة الجديدة ـ دمشق 1997 ص 9 .
2 ـ ابن حجر العسقلاني /فتح الباري في شرح صحيح البخاري/ المطبعة البهية ـ القاهرة جزء 13 ص 261 .
3 ـ المصدر السابق ص 3.
4 ـ الإسراء 31.
5 ـ ابن عبد البر /الانتقاد في فضل الصلاة للائمة الفقهاء/ دار الكتب العلمية ـ بيروت بدون تاريخ ص 16.
6 ـ المصدر السابق ص 25.
7 ـ كل هذه الأحاديث وما سيرد لاحقاً واردة في كتب عدة من بينها.
"إحياء علوم الدين" و "كشف الغمة عن جميع الأمة" و "حقوق الزوجين" و "فتاوي النساء" وكذلك في كراسات وكتيبات صادرة عن الجماعات الإسلامية وتباع في الشوارع، وهي معدومة أماكن الطبع والنشر وتواريخها.

الى الاعلى