من بين أكثر النصائح طرافة وجدية، التي وجهت الى المثقفين العرب، تلك التي قدمها لهم جورج طرابيشي، ودعاهم فيها الى "إعلان هدنة" مع شعاراتهم الثورية البراقة، والتفرغ لنشر الثقافة الديمقراطية في العالم العربي. ولم يكن طرابيشي مازحاً أو ساخراً، في دعوته، على الإطلاق، بل هو جاد كل الجد، فهذا هو السبيل الوحيد، كما يعتقد، لضمان عدم تحول الشعارات الديمقراطية الى مجرد وسيلة لتحقيق غايات ومصالح أنانية.

    وبتقديرنا إن من هم أحوج، اليوم، لمثل هذه النصيحة الثمينة، هم المثقفون العراقيون، ليس فقط لأن الظرف العراقي الراهن، المتخم بشعارات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وسواها، يحتاج لكثير من الضمانات، لمنع تسخير هذه الشعارات غداً، لأغراض مصلحية أنانية، بل لأن المثقفين العراقيين أنفسهم، يحتاجون لمثل هذه الضمانات كي لا تتحول، تلك الشعارات، الى سياط لسلخ جلود بعضهم البعض.

    طبعاً لا يشك أحد في حجم التعقيد والضبابية، التي تلف المشهد السياسي والثقافي العراقي، لكن من المفيد دائماً، البحث عن الحقائق المركونة جانباً، في زوايا هذا المشهد، وهي حقائق، تشي بقدر كبير من الدعائية والإعلانية، التي تتحكم بطرح الشعارات وتسويقها، على أنها ثوابت وجوازم راسخة عند هذه أو تلك من الجهات والمراجع السياسية، أو لدى هذا أو ذاك من المثقفين، في حين أن الأمر لا يعدو أن يكون، بالنسبة للبعض من هؤلاء وأولئك، مجرد "تسويق بضاعة" أو "ركوب موجة" فالديمقراطية في العراق، هذه الأيام، تشبه الباذنجان أيام صدام حسين، ليس لأنها متوفرة زيادة عن اللزوم فقط، بل لأن العراقيين لا يقوون على شراء سواها، فهي البضاعة الوحيدة التي يكثر عرضها ويقل سعرها. ولهذا، مثلما تفنن العراقيون في طبخ الباذنجان، قلياً وسلقاً وشياً، هكذا يفعلون اليوم مع الديمقراطية بالضبط. بل أن هناك من يريد، نهاراً جهاراً، لا تحويل الديمقراطية، الموعودة والمؤملة حتى الآن، الى بقرة حلوب، لمصالح وغايات خاصة وأنانية، بل وجعلها أشبه بالحقيقة المطلقة، من يمتلك ناصيتها، يمتلك الحق في نهب الآخرين وشطبهم وجلدهم، فالديمقراطية، بالنسبة لهذا البعض، ليست أساسا لحرية المجتمع وميداناً لتفتح الفرد، ولا ضمانة ضد الفساد والديكتاتورية، إنما هي نوع من مصباح علاء الدين، أو شكل آخر من الدكتاتورية.. دكتاتورية المحصّن بالاحتلال، أو بالأكثرية لا فرق.

    أما على صعيد المثقفين، وهم لا يفكرون كثيراً بالمستقبل، كما يبدو، فهي تعني لهم، في صورة من صورها، أداة لتبخيس أدوار نظرائهم، والحط من أهميتهم وقيمتهم، وإعلاء شأن المهاترات والمناكدات، عوضاً عن الحوار المسؤول والهادف، وبدلاً عن ولوج مشهد المتغيرات الدراماتيكي الذي يشهده العراق في كل يوم، وفي كل لحظة.

    وإذا كان هناك، من المثقفين، من يريد أن يحاجج في ذلك، عليه أن يقول لنا أولاً: أين هم المثقفون العراقيون الآن؟ ماذا يفعلون؟ ماذا يريدون؟ ماذا... يطبخون؟

الى الاعلى