* كيف كانت البدايات مع النشر والاعتراف بك كشاعر ؟

 

** يمكنني تشبيه الأمر على النحو التالي: في "ساعة ويذبل الزيتون" وهو أول مجموعة نشرتها في العام 1976 ، كنتُ ضيفاً على الشعر، وكما هو حال الضيف حين يبدو حرجاً وخجلاً ومتردداً، كنتُ هكذا حينها، اكتبُ القصيدة ولا أنام ليلتي قبل أن اقرأها لصديق وأسمع رأيه فيها، لكي أتأكد أن ما كتبته هو شعر حقاً. أما في "ملًيت" وهي مجموعتي الثانية، فقد صرت صديقاً، أو لنقل من أهل البيت، فقد تجاوزت حرج وتردد الضيف، ولم أعد بحاجة إلى استشارة أحد. هذا على الصعيد الفني، أما على صعيد موضوعات الكتابة فقد حدث ما يمكن تسميته بالنقلة، فقبل ذاك كانت موضوعاتي محدودة ولا تخرج، إلا نادراً، عن الحنين والبكاء على أطلال التجارب والانكسارات السياسية والعاطفية، وهذا ما أعتقد أنني تجاوزته أيضا، نحو عوالم شعرية وجمالية أرحب وأعمق بدأت ملامحها في "ملًيت" واكتملت أو تواصلت في مجموعتي الثالثة " عطر الغايب" أما ملامح هذه النقلة فيمكن رؤيتها أو تلمسها في اختيار أو في التقاط اللحظة الشعرية وفي تشذيب الصورة والعزوف عن تصنيعها، وفي توظيف الإحساس العفوي بالأشياء المحيطة من دون إقحام أو تقريرية، وكذلك في استخدام المؤثرات الحسية مثل اللون والحركة والإيماءة والصمت ولحظات احتدام الرغبة.

 

*ماذا عن دلالة عنوان المجموعة "ملًيت" هل يشير إلى أزمة ما، سياسية، حياتية؟

 

** ملًيت، وأقصد هنا القصيدة وليس المجموعة، كانت أشبه ببيان روحي أملته عليّ تجربة سياسية ونفسية قاسية، ففي تلك الأيام، التي تلت انهيار تجربة التحالف السياسي في العراق، وفرارنا، جماعات ووحدانا، إلى أوروبا ودول الجوار، وجدنا أنفسنا فجأة، (وكنا في بداية تفتحنا على الحياة السياسية والثقافية) مطرودين من الجنان كلها، من الوطن والأهل والبيئة، وكذلك من أحلامنا العجائبية ببناء الاشتراكية والشيوعية على أنقاض واقعة كربلاء! هذه الصدمة جعلتنا نشعر حينها وكأننا بلغنا نهاية العالم، أو نهاية التاريخ، وكان سبب هذا يعود باعتقادي، إلى طبيعة علاقتنا البطريركية بالحزب الشيوعي، إذ لم يكن وارداً، في تصورنا، أن آباءنا البطاركة في قيادة الحزب يمكن أن يرتكبوا مثل هذا الخطأ الفادح ويورطوا آلافاً مؤلفة من الشباب، في هذه المحنة.. محنة الانهيار السياسي والهجرة والنفي والضياع.. (طبعاً أنا هنا لا أحمًل الحزب الشيوعي وحده مسوؤلية ما حصل، فالحزب الحاكم (البعث) يتحمل المسؤولية الأولى في ذلك).

وهكذا في هذا المناخ كتبتُ "ملًيت" وكانت أشبه بصرخة المطعون، إلا أنني تجاوزت ذلك بعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، كما يقال، واكتشفت أن الحياة أرحب من الأحزاب وأخطائها وأكبر من التجارب الحياتية مهما كانت مريرة.

 وفي الواقع لم يكن الشعراء الشعبيون وحدهم من كان يكتب قصائد متفجعة في تلك الفترة، إنما شعراء الفصيح أيضا، ولا أزال أذكر كيف كان سعدي يوسف يردد آبيات قصيدته التي يقول فيها (ولربما في لحظة مستحكمة يولد الضباط أو يهجرنا نسٌر إلى الريف) ثم يبكي ونبكي معه!

 

*يختلف الشعر الشعبي عن الفصيح في تلك المساحة الداخلية الحميمة التي تشكلها اللغة الشعبية مع المتلقي والشاعر معاً.. والسؤال هو: هل علاقتك مع الشعر الشعبي تنطلق من حرصك على هذه المساحة، أم أن هناك أسبابا أخرى؟

 

** من لم يجرب كتابة الشعر باللهجة الشعبية لا يستطيع اكتشاف سحرية هذا النمط الكتابي الغني بلغته وإيحاءاته وعوالمه الجمالية، فالشعر الشعبي في العراق وخاصة بعد عملية التجديد التي أحدثها مظفر النواب، مطلع الستينات، لم يعد شعر مناسبات أو أخوانيات، يكتبه العامة، كما كان في السابق، إنما صار شعراً بالمعنى العميق للعبارة، يكتبه مثقفون مبدعون لهم تجاربهم الحياتية والسياسية، ذلك أن عملية التجديد تلك طالت أشكاله وأساليبه الفنية وموضوعاته وأغراضه، وأسست لمفهوم جديد للقصيدة الشعبية نقلها من مقارباتها السطحية المباشرة مع المراثي والمديح والغنائيات الساذجة إلى عوالم الشعرية الحرة.. ولهذا أجد الكتابة الشعرية باللهجة الشعبية، أكثر إغراء من الكتابة بالفصحى، فاللهجة الشعبية، والى جانب أنها توفر للشاعر تلك المساحة الحميمة في العلاقة مع المتلقي، هي لهجة مطواعة ومحملة بالإيحاءات والرموز والاستعارات والظلال، وهي تشبه مادة مرنة يمكن أن تكوّني منها ما تريدين من أشكال جمالية، على خلاف الفصحى التي تبدو أحيانا كالحجر في عملية الكتابة الشعرية.

 

*لنتوقف قليلاً عند جيل ما بعد النواب ممن كتب الشعر الشعبي.. ما الذي أضافه هذا الجيل لتجربة مظفر؟

 

**كما قلت لكِ.. تجربة النواب كانت الأساس في انطلاق حركة التجديد في الشعر الشعبي العراقي، وهي حركة كانت رديف لحركة التجديد في الشعر العربي، ومع مراكمة النواب لهذه التجربة بنتاجه الغزير والمتفرد إبداعيا، كان أفق التجديد في أساليب وأشكال الكتابة الشعرية يتسع هو الآخر ويتنوع في مديات التجريب وحرية الاكتشاف والتمايز. ومع أن قصيدة النواب استمرت حية وطازجة في شكلها ومضمونها، إلا أن هناك، من الشعراء، من راح يبحث في أعماق أخرى تحت أرض التجديد التي فتحت أمامه، مستنبطاً موضوعاته وأساليبه الخاصة في الكتابة الشعرية. وبوسعنا الإشارة هنا إلى أسماء كثيرة من بينها: عزيز السماوي وطارق ياسين وعلي الشباني وشاكر السماوي وكاظم الركابي وعريان السيد خلف… هؤلاء وسواهم كانوا يمثلون  الجيل اللاحق لمظفر، والمتميز في بحثه عن أساليب كتابة وموضوعات شعر جديدة ومغايرة. ثم بعد ذلك جاء جيل آخر بداية السبعينات وكنتُ واحداً ممن كتبوا في هذه الفترة، وقد أشتغل هذا الجيل على أنماط وأساليب كتابه أخرى للقصيدة الشعبية راكمت وكرست مكانتها في المشهد الإبداعي والشعري العراقي، ومن أسماء كثيرة أتذكر كاظم الكاطع وكريم العراقي ورياض النعماني وريسان الخزعلي واسماعيل محمد اسماعيل وأبو سرحان وكاظم الرويعي وفالح حسون الدراجي.

 

*ماذا أضاف هؤلاء لتجربة مظفر وبماذا تميزوا عنه؟

 

** أجمالا يمكن القول أن هؤلاء، وكانوا في الغالب من المثقفين والمتعلمين، قد أضافوا وزناً وقيمة ثقافية لحركة الشعر الشعبي عموماً، وليس للنواب. أما تمايزاتهم فقد  تمثلت في استخدامهم للمفردة الشعبية المتداولة أو المفصًحة إن صح التعبير، وعزوفهم عن المفردة الجنوبية المغرقة بريفيتها كما لدى مظفر. كذلك تميزوا في استخدام الرمز والأسطورة في مقابل المثل والحكاية الشعبية، وبتوظيف التراث العربي والإنساني في مقابل المحاكاة السالفة للموروث القيمي العشائري والقبائلي. طبعاً هذا لا يمس القيمة الإبداعية لقصيدة النواب ذلك أن التمايز قد يعني التجاور ولا يعني التجاوز.

 

*للشعر بالعموم أزمته، وللنقد الشعري أزمته أيضا، ماذا عن نقد الشعر الشعبي، هل هناك حركة نقدية وهل أستطاع هذا النقد أن يصل إلى قراءات دقيقة لهذه القصيدة؟

 

** أنا ممن يؤمنون بأن الوسائط تطيل الطريق إلى الإيمان.. أي على نحو من قول المتصوفة أن الأنبياء أطالوا الطريق إلى الله، وبناء على هذا أعتقد أن فنوناً مثل الشعر والموسيقى والرسم، لا تحتاج إلى وسيط أو إلى النقد فالشعر (مثلا ) يحتاجه الإنسان كما يحتاج إلى الهواء فهل من الضروري نقد الهواء وتفسيره ؟ أي نقد للشعر هو محاولة لترويج أسم الشاعر وليس الشعر لأن النقد يفسد الشعر كما يفسد التفسير الأطياف والأحلام، ذلك أن تفكيك الحلم وإعادة روايته تستوجبان ترميمه عبر اللغة وبذلك لن يعود حلماً إنما قصة أخرى غير الحلم، وهكذا الشعر ما أن يجري تفكيك عناصره حتى يفقد سحره، لهذا أقول أن نقد الشعر بدعة ثقافية ولا ضرورة لها، ولأنه ليس هناك حركة نقدية للشعر الشعبي فأنا مرتاح للأمر!    

 

*جمعة الحلفي شاعر شعبي.. ماذا عن علاقتك بالشعر الفصيح؟

 

** أتذكر أنني أجبت على مثل هذا السؤال في مرة سابقة وقلت أن الكتابة بالنسبة لي، شعراً أو نثراً( عدا الصحافة طبعاً لأنها مصدر عيشي ) هي محاولة للترويح عن النفس وتبديد الوقت لا أكثر، فأنا لم أكتب يوماً لكي أصبح شاعراً أو قاصاً بالمعنى البروتوكولي السائد، لكن الناس والأصدقاء يسموني هكذا: الشاعر فلان الفلاني. وهذا ليس من باب التواضع أبدا إنما هو شعوري الحقيقي، لذلك أجيب على سؤالك بالقول أن علاقتي بالشعر الفصيح علاقة صداقة طيبة وغير متكلفة، فمثلما أشتاق لرؤية صديقي الجميل نبيل سليمان بين وقت وآخر، اكتب بالفصيح أيضا، بين وقت وآخر. وإذا اعتبرتي أن في هذا الكلام مزحة فأقول جاداً أن لدي مجموعة مخطوطة بالشعر الفصيح وأخرى بالشعبي ومجموعة قصص قصيرة، لكنني لست في وارد طباعة هذه المجاميع، بانتظار أن ينتهي الآخرون من طباعة مجاميعهم!

 

*في قصائدك الأخيرة، ما بعد "ملًيت" تحضر الروح بكثافة وتحضر الطفولة والغربة والحب.. هل كان ديوان "مليت" بمثابة عتبة للانتقال إلى الأجواء الجديدة في قصائدك؟

 

** يجب، برأيي، أن لا يتناول الشعر غير هذه الموضوعات: الروح والطفولة والغربة والحب، فالشعر، كما أعتقد، أبتكره الإنسان خصيصاً لهذه الموضوعات دون سواها وليتكفل النثر بكتابة ما تبقى من موضوعات. ولتوضيح فكرتي أقول أن أسوأ أغراض الشعر العربي هو الهجاء والمديح والوجدانيات، وأجمل ما كتب كان في الغزل والحب والخمرة ووصف الجماليات الأخرى، فالشعر رقيق ولا يجب أن نحمله فوق طاقته. وانطلاقاً من هذا أجيب على سؤالك بالقول أنني اكتشفت نفسي، إنسانيا وثقافياً وشعرياً، بعد "مليت" وبالتحديد بعد مغادرتي المشهد السياسي بصيغته التنظيمية والأيديولوجية، فقبل ذاك كنت اكتب عن المرأة ونموذج روزا لكسمبورغ في ذهني أو أكتب عن العصافير والطيور و"حمامة السلام" تعشعش في رأسي، لذلك لا أعتقد أنني كتبت شيئاً جميلاً عن المرأة في تلك المرحلة من (الإجبارية) الحزبية.. فقد كان خيالنا مصادر، خيال غير عفوي مؤدلج ومصنّع مسبقا، أما الآن فأنا اكتب عن أدق التفاصيل الإنسانية والجمالية في المرأة، وحول العلاقة معها، بما في ذلك المحظور والمسكوت عنه. وهذا يشمل أيضا الطفولة والحب والغربة، أكتب عن هذه الموضوعات كما هي في طبيعتها وكما هو إحساسي بها في لحظة الكتابة من دون وسائط وأحابيل.

 

*لا أعرف إن كنت سمعت بما يسمى البرلمان الثقافي العراقي الذي شُكل في لندن. وقبل فترة تشكل اتحاد للكتاب والصحفيين العراقيين وانتخُبت أمينا عاماً له.. ماهي توجهاتكم في الاتحاد وماذا عن العلاقة مع البرلمان؟

 

** سمعت بمشروع البرلمان الثقافي ويسرني أن يدب النشاط في الوسط الثقافي العراقي لأن ذلك يفتح الآفاق لتطوير مساهمة المثقفين العراقيين في كفاح شعبهم المرير من أجل التغيير والخلاص من الحصار والجوع  والاستبداد، وكذلك من أجل تعزيز علاقاتهم الإنسانية ببعضهم البعض وخدمة مشاريعهم الثقافية والإبداعية. فالمثقفون العراقيون في الخارج، وهم بالآلاف، يستنكفون من العمل النقابي بل ويخلطون بين العمل الإبداعي الخاص وبين العمل النقابي المهني العام، وهذا شيء مؤسف، أما الآن فهناك حركة، وكما يقال، في الحركة بركة. وكما اعتقد يمكن أن تتسع الساحة الثقافية العراقية للجميع، للاتحاد الناشىء حديثاً وللبرلمان الثقافي القادم وسواهما، فما دامت الأهداف نبيلة ومشروعة فلا ضير من تعدد السبل والوسائط. أما بشأن توجهات الاتحاد فلا يزال عملنا في بداياته وهناك الكثير من المشاريع الطموحة على الورق سنحاول ونعمل على تجسيدها في واقع العمل اليومي بما يخدم قضية شعبنا ويعلي من شأن الثقافة الوطنية الحرة ويعزز ويدعم مساهمة المثقف العراقي الإبداعية والإنسانية.

 

*إلى أي مدى استطاع الاتحاد آن يمثل التشكيلة الثقافية والسياسية العراقية، وماذا عن العلاقة بين الاتحاد والبرلمان الثقافي؟

 

** الاتحاد نقابة مهنية مثله مثل نقابات الحرفيين والمحامين والمهندسين، تأسس لخدمة أعضائه والدفاع عنهم ونشر نتاجاتهم ، ولهذا ليس بالضرورة أن يمثل تشكيلة أو كتلة، إنما يمثل من يريد الانتماء أليه ويوافق على برنامجه ونظامه الداخلي..وقد أنتمى للاتحاد عدد كبير من المشتغلين في ميادين الكتابة والصحافة وتأسست له فروع في كردستان العراق ولبنان والأردن وسورية ولندن وهولندا، وأصدر مجلة شهرية صدر العدد السابع منها، وأجرى اتصالات مع الاتحاد العام للكتاب العرب والاتحادات العربية الأخرى، ولكن الاتحاد، مع هذا لا يدعّي تمثيل أحد غير أعضائه ولا يعتزم التنافس على شرعية ما، فالشرعية النقابية تكتسب بالعمل اليومي الدؤوب وبحجم  النشاطات والخدمات التي يقدمها لأعضائه وليس بالكلام أو بالأسماء اللامعة فقط. وأنا أقول هذا قاصداً تصحيح تصورات البعض ممن يعتقد أننا أسسنا اتحاداً للعباقرة أو للفلاسفة العراقيين، وهذا ليس من حقنا لأننا لم نأخذ رأيه بذلك، في حين أن الأمر ابسط من ذلك بكثير ولا يحتاج إلا للقليل من الموضوعية ونبذ الضغائن واحترام خيار الآخر، في  العمل والنشاط أينما يشاء. أما بشأن العلاقة مع البرلمان الثقافي فهذا موضع احترامنا وحرصنا لكنه سابق لأوانه لأن البرلمان لم يتأسس بعد، على ما اعتقد.

الى الاعلى