قبل أيام نسيت أسناني في البيت وخرجت على عجل.. ( سيفتح القاريء فمه اندهاشاً: كيف يمكن أن ينسى المرء أسنانه؟) نعم هذا الذي حصل معي وهو مزعج دون ريب، خاصة بالنسبة إلى شاعر. والأكثر إزعاجا هو أنني، عندما نسيت أسناني، كنت ذاهباً إلى أمسية شعرية لإلقاء قصيدة. المهم، قبل أن أصل مكان الأمسية (وهو يقع في شارع فخم من شوارع العاصمة) تنبهت للأمر صدفة فراعني ذلك. قلت لسائق التاكسي، بنبرة يبدو أنها كانت خشنة بعض الشيء، أن يعيدني سريعاً إلى حيث انطلق بي، ففعل بوجوم. في جوار البيت وجدت أبنتي لإنزال واقفةً، بعد أن كانت ودعتني قبل لحظات وهي منزعجة لأنها حاولتْ بإلحاح أن تذهب معي إلى الأمسية، فرفضت ذلك بذرائع شتى (فهي طويلة وأكبر من عمرها، كما كانت تقول والدتي، رحمها الله، وهذا يسبب لي الإحراج على الدوام عندما ترافقني، خصوصاً في الأماسي الشعرية!) قلت لابنتي بنبرة تشبه تلك التي انزعج منها سائق التاكسي، أذهبي سريعاً واجلبي لي أسناني من البيت، فضحكت ابنتي بوجهي بطريقة لم اعهدها منها قبلاً (فهي تكن لي احتراماً كبيراً، بل وتعتبرني أباً روحياً لمحاولاتها المتواضعة في كتابة الشعر والقصة) عادت أبنتي بالأسنان بعد أن أخفتها داخل كومة من المناديل الورقية (وكانت هذه إلتفاتة ذكية منها، فلو رأى أولاد الحارة الأسنان بيد أبنتي لكانت فضيحة) ذهبتُ أبحث عن تاكسي أخرى، وكانت الأمسية قد بدأت بالطبع حسب التوقيت المحدد في بطاقة الدعوة، لكن من حسن الحظ كان هناك شاعران يشاركاني الأمسية، وهما من أصحاب المطولات. وأنا أقبع في التاكسي مغموماً، تذكرت يوم فقدت أسناني الحقيقة، وكان ذلك بمثابة انهيار مروع لشعوري بالشباب والحيوية. كنت أتناول طعام الغداء عندما سقط شيءٌ من فمي في صحن الطعام فأحدث رنيناً خافتاً، لم أصدق الأمر أول وهلة، فمددت إصبعي في فمي لأتأكد وإذا به يلج فراغاً مخيفاً بين صف أسنان المقدمة. تذكرت في الحال أن لي ضرساً كبيراً آخر كان مرتخياً، مددت إصبعي فلم أجده هو الآخر. بحثت أمامي في كومة العظام والفضلات، فإذا به مركونٌ بإهمال يدعو الى الشفقة. صدمتُ حينها واكتأبت كثيراً، وعندما سألتني زوجتي لماذا كففت عن الأكل صمًتُ برهةً ثم بكيت بصمت، لكن دمعة سقطت، بصخب، في صينية الطعام، نبهت زوجتي للأمر. وبعد أن عرفت بالقصة واستني بشيء من المزاح البريء، لكنَ كآبتي بقيت مسيطرة عليّ، خاصة عندما ذهبتُ لأرى شكلي الجديد. وقفت أمام المرآة وابتسمت بانزعاج. كانت ابتسامة باكية في الواقع فقد شعرت حينها وكأن دهراً قد مضى على شبابي. كان شكلي مروعاً. وفي الحال شغلتني فكرة مزعجة: كيف يمكن أن يكون الشاعر بدون أسنان؟. ذهبت الى غرفة النوم، ارتديت ثيابي بسرعة ووضعت منديلاً على فمي وخرجت قاصداً طبيب الأسنان.

في قاعة الأمسية استقبلني عريف الحفل بترحاب كبير وأعلن على الجمهور وصولي بعد تأخر. جلست في مقدمة الصفوف حزيناً جراء تذكري لقصة سقوط أسناني، حتى أن كأس العرق الكبيرة، التي شربتها قبل أن أخرج من البيت، تبخرت من رأسي فعادت صحوتي القاتلة تحركُ فيَّ الخجل والتردد. لم أصغ لحرف واحد مما كان يقرأه الشاعر الأول في الأمسية، فقد انشغلت مجدداً بالفكرة المزعجة إياها: كيف يمكن أن يكون الشاعر بدون أسنان؟ أدرت الفكرة في رأسي مراراً وتكراراً وحاولت تخفيف وطأتها على نفسي (خاصة عندما نبهني صديق جالس بجانبي الى أن الشاعر الأول أنهى قصيدته ولم يبق غير الشاعر الثاني وبعده سيأتي دوري في القراءة) فتذكرت صديقاً، يُعد من أفضل المغنين الشباب، كان هذا الصديق المغني يعاني من مشكلتي ذاتها، لكن الفارق أن له ضرساً اصطناعياً واحداً فقط. وقد أخبرني ذات يوم بأن هذا الضرس سقط من فمه مرة وهو يغني في احتفال كبير ومهيب. ومن شدة فزعه وخوفه من أن يكتشف الجمهور ذلك، مد يده وقطع سلك الكهرباء المربوط بجهاز الميكرفون، وفي الحال بدأ صفير وصراخ الجمهور، وبينما انشغل عمال الإنارة بإصلاح السلك الكهربائي، مد صديقي المغني يده وألتقط ضرسه من الأرض، وبحركة فنية بارعة، (كما وصفها!) أعاده الى فمه دون أن يشعر به أحد. كنت ساهماً عندما نبهني الصديق الجالس الى جانبي أن دوري قد جاء وأن لغط الجمهور بدأ يتعالى لأنني تأخرت في النهوض عندما أعلن عريف الحفل عن اسمي. نهضت، بعد أن تلمستُ أسناني بحركة لا إرادية. وقفت أمام الميكرفون وفي ذهني الفكرة المزعجة إياها: كيف يمكن أن يكون الشاعر بدون أسنان؟ تصورت الأمر من زوايا مختلفة، قلت، ربما لن يكون الشاعر مقبولاً من قبل الجمهور إذا لم يكن على شيء من الجمال أو الأناقة في أقل تقدير، وهذا من حق الجمهور دون ريب، فشكل الشاعر وأناقته وطريقة إلقائه لقصيدته، كلها مكملات لقوة وجمال القصيدة، حتى أن معاصري بدر شاكر السياب يقولون أنه كان يتجنب المشاركة في المهرجانات الشعرية لأنه لم يكن وسيماً مثل أدونيس أو أنسي الحاج. وإن محمد الفيتوري أيضاً كان يتردد هو الآخر في قبول دعوات المهرجانات للسبب ذاته. هذا من جانب، ومن جانب آخر تصورت أن الشاعر عندما يكون بدون أسنان قد لا يستطيع إلقاء قصيدته إطلاقاً لأنه سيظل يلثغ بكل الحروف تقريباً، إلى درجة، تخيلت معها، أن القصيدة يمكن أن تسقط من فم الشاعر دون صوت، مثل طفو السيجارة. بل الأكثر مأساة أن يتصور الشاعر إياه، عندما تسقط القصيدة من فمه مثل طفو السيجارة، إنه قد ألقى قصيدته، لذلك سيتساءل مع نفسه: لماذا لم يصفق له الجمهور؟ في حين سيتساءل الجمهور أيضاً: لماذا لم يقرأ الشاعر قصيدته؟

وقفت أمام الميكرفون والفكرة المزعجة إياها لا تزال تشغل ذهني: كيف يمكن أن يكون الشاعر بدون أسنان؟ وبعد لحظات، وبدون تردد، طرحت السؤال على الجمهور، وأنا جاد كل الجد في ذلك، قلت: أيها الجمهور الكريم المحترم.. ترى كيف يمكن أن يكون الشاعر بدون أسنان؟ فضحك الجمهور بصخب ثم تعالى التصفيق في القاعة حتى صمّ أذنيّ. وكما تأكدت فيما بعد، من الصديق الذي كان يجلس بجانبي، فأن الجمهور كان يتصور أن سؤالي هذا إنما كان عنواناً لقصيدة جديدة‍!

الى الاعلى