ـ  هناك من يقول أن الشعر الشعبي قصير المدى، أي أنه يموت مع موت الشاعر.. ماذا تقول أنتَ في ذلك؟

·        إذا كان هذا الشعر شعراً حقيقياً فهو لن يموت أبدا، فالإبداع الحقيقي، بأية أداة كُتب، بالفصحى أو باللهجة، يظل يحتفظ بديمومته. والشعر على وجه التحديد، له جذور أسطورية في علاقته مع الناس فهو أول نشاط جمالي للعقل البشري وقد تأثرت به جميع الفنون ولا يزال يحتفظ باستقلاليته، لهذا لن يموت الشعر الشعبي بموت شاعره إنما قد يحدث العكس، أي أن يتخلد شعره بموته. خذي مثلاً بيرم التونسي، الشاعر المصري الذي كتب أروع أغنيات أم كلثوم، فقد مات قبل ستين عاماً، لكن كلماته لا تزال حية في نفوس الملايين من الناس. بل أن بعض أشعار بيرم تحول إلى أمثال وحكم شعبية يرددها المصريون في حياتهم اليومية، وهذا قلما حدث مع الفنون الأخرى وحتى مع الشعر الفصيح. وفي العراق عندنا شعراء عديدون ماتوا منذ مطلع القرن الماضي، لكن أشعارهم لا تزال تتردد على شفاه الناس. من بين هؤلاء شاعر اسمه الحاج زاير، توفي في الأربعينات من القرن الماضي، لكنه مثل المتنبي لم يتجاوزه أحد حتى الآن على الصعيد الشعري.

 

ـ هل اللغة المحكية (العراقية) هي البديل عن الفصحى في التعبير؟

·    بالنسبة لي شخصياً ربما، لأنني أجد في اللهجة آفاق وإمكانيات تعبير لا أجدها في الفصحى، على الرغم من أنني اكتب أحيانا بالفصحى، اكتب الشعر والقصة.. لكن في الغالب اختار اللهجة لأنها محملة بالإيحاءات والرموز والاستعارات الشعبية، وهي تشبه مادة مرنة يمكن أن تكوني منها ما تريدين من أشكال جمالية، على خلاف الفصحى التي تبدو أحيانا كالحجر في عملية الكتابة الشعرية. هذا إلى جانب أن اللهجة توفر للشاعر علاقة حميمة مع المتلقي لأنها جزء من وجدانه الجمعي أو الاجتماعي، لذلك أقول أن من لم يجرب كتابة الشعر باللهجة الشعبية لا يستطيع اكتشاف سحرية هذا النمط الكتابي الغني بعوالمه الجمالية.

ـ من مجموعتك (ملّيت) إلى المجموعة الجديدة (عطر الغايب) ما الذي تغير على صعيد لغتك الشعرية.. موضوعات الكتابة؟

·    حدث ما يمكن تسميته بالنقلة، فقبل صدور عطر الغايب كانت موضوعاتي محدودة ولا تخرج، إلا نادراً، عن الحنين والبكاء على أطلال التجارب والانكسارات السياسية والعاطفية، وهذا ما أعتقد أنني تجاوزته نحو عوالم شعرية وجمالية أرحب وأعمق، بدأت ملامحها في "ملّيت" واكتملت أو تواصلت في المجموعة الجديدة. أما ملامح هذه النقلة فيمكن رؤيتها أو تلمسها في اختيار أو في التقاط اللحظة الشعرية وفي تشذيب الصورة والعزوف عن تصنيعها، وفي توظيف الإحساس العفوي بالأشياء المحيطة من دون إقحام أو تقريرية، وكذلك في استخدام المؤثرات الحسية مثل اللون والحركة والإيماءة والصمت ولحظات احتدام الرغبة.

لهذا فأنا أعتبر أن ديوان ملّيت كان أشبه ببيان روحي أملنه عليّ تجربة سياسية ونفسية قاسية، ففي تلك الأيام، التي تلت انهيار تجربة التحالف السياسي في العراق، وفرارنا جماعات ووحدانا إلى أوروبا ودول الجوار، وجدنا أنفسنا فجأة، (وكنا في بداية تفتحنا على الحياة السياسية والثقافية) مطرودين من الجنان كلها، من الوطن والأهل والبيئة، وكذلك من أحلامنا العجائبية ببناء الاشتراكية والشيوعية على أنقاض واقعة كربلاء! هذه الصدمة جعلتنا نشعر حينها وكأننا بلغنا نهاية العالم، أو نهاية التاريخ، وهكذا في هذا المناخ كتبتُ "ملّيت" وكان أشبه بصرخة المطعون، إلا أنني تجاوزت ذلك بعد أن ذهَبت السكرة وجاءت الفكرة، كما يقال، واكتشفت أن الحياة أرحب واكبر من التجارب الخاصة والسياسية، مهما كانت مريرة.

 

ـ يلاحظ في نهاية ديواني شعرك.. بعض الكلمات باللهجة العراقية ومعانيها بالعربي الفصيح.. هل تتجه إلى إصدار معجم أو قاموس بتلك الكلمات؟

·    قبل أن أصدر ديواني "عطر الغايب" كنتُ أقمت أمسيات في عدد من المحافظات السورية، اللاذقية، أدلب، دمشق، الخ ..وقد اكتشفت أن اللهجة العراقية ليست صعبة على الجمهور السوري، إلا في ما يتعلق ببعض المفردات العراقية الجنوبية، أو الخاصة باللهجة العراقية، ولذلك فقد شرحت هذه المفردات وبينت بعض مفاتيح اللهجة العراقية تسهيلاً للقارئ العربي. كما أني كتبت مقدمة حاولت فيها أن أضع القارئ في صورة المشهد الشعري العراقي بهدف زيادة معرفته بهذا المشهد.

 

ـ الطفولة، والقراءات الأولى، التراث، الذكريات الأولى مع الشعر.. ماذا تحدثنا عن هذا ولماذا الشعر بالذات؟

·          هذا السؤال يفتّق الجروح، كما يقال، وإذا كنت تريدين جواباً شافياً فسنحتاج إلى جلسات طويلة، لأن الحديث عن الطفولة والقراءات الأولى والذكريات والعلاقة مع الشعر، معناه الحديث عن الوطن وعن والانكسارات وعن المنفى، وهذا يحتاج بدوره إلى فواصل غناء وبكاء وشجن و… المهم سأختصر لك الجواب قدر الإمكان.

عندما وعيت على الدنيا وجدت نفسي وسط عائلة كبيرة وفقيرة الحال، لكنها عائلة سياسية إن صح التعبير. فقد كان والدي فلاحاً هاجر بنا من ريف الجنوب إلى العاصمة بغداد، منتصف القرن الماضي، بحثاً عن حياة أفضل لكنه لم يجد مثل هذه الحياة ووجد، بدلا عنها، حياة كدح وكفاح يومي متواصل. ولهذا وجدت نفسي مضطراً للعمل وأنا في المدرسة الابتدائية، فقد كان أخي الكبير مسجوناً لأسباب سياسية وأخي الآخر مختف عن الأنظار للسبب ذاته. هذه الظروف، رغم قسوتها، هي التي دفعتني للتعلم وللقراءة، وكنت أُخرج كتب أخي من صناديق الخشب المطمورة واقرأ فيها.. قرأت روايات مكسيم غوركي وتشيخوف وكتب سلامة موسى.. طبعاً لم اكن افهم منها الكثير لكنها كانت الأساس.

 

ـ وماذا عن الشعر والبدايات الأولى؟

·     في وقت مبكر من حياتي اشتغلت في السياسة وكان عمري 17 سنة، وفصلت من المدرسة الثانوية، ثم اعتقلت أكثر من ثلاث مرات، جراء النشاط السياسي. هذه التجربة، ومرة أخرى أقول، رغم قسوتها، هي التي علمتني كتابة الشعر.. كنتً اكتب وأرسل إلى الصحف والمجلات وكانت هذه تنشر لي مقاطع قصيرة في بريد القراء، وكان ذلك مصدر فرح وفخر، حتى جاء اليوم الذي نشرت لي فيه إحدى الصحف قصيدة كاملة. وأذكر أن عنوانها كان (دهشة). بعد ذلك اندمجت في خضم حياة سياسية وصحفية وثقافية صاخبة حتى هروبي من العراق في العام 1979 .

 

ـ أنت مقلٌ في نتاجك الشعري، لماذا وما هي طقوسك الخاصة.. كيف ترتب لعملية الكتابة والإبداع؟

·    هذا سؤال آخر اكثر إحراجا! فأنا اعتبر القصيدة الجيدة أشبه ببيضة الديك، أما الشعراء الذين يطبعون كل خمسة اشهر مجموعة شعرية، فهؤلاء أشبه بالدجاج البيّاض. أنا مقل بمعنى التأني وانتظار لحظة الإبداع الحقيقية، التي تأتي من غير مواعيد. لا يهمني عدد المجاميع الشعرية بل تهمني قصيدة واحدة معبرة وصادقة ومدهشة. فمثل هذه القصيدة يمكن أن تعادل أو تتجاوز مجموعة شعرية مصنوعة. لذلك أقول أن الشعر الحقيقي والصادق هو ذلك الذي يحمل عطر الأشياء لا صورتها.. فهو شعر تفوح منه رائجة الإبداع لأنه أشبه بالورد البلدي، أما الشعر من دون إبداع فهو أشبه بورد البيوت البلاستيكية.

 

ـ وماذا عن طقوس الكتابة؟

·    اكتب أحيانا عندما أكون على حافة اليأس، اليأس بمعناه الروحي والنفسي، أي عندما تبدو لي القصيدة وكأنها المنفذ الوحيد للنجاة من نفق مظلم. واكتب أحيانا عندما تمتلئ روحي بالانفعالات الوجدانية اللاهبة، حتى تبدو الروح مثل غيمه محملة بالمطر، وفي أحيان أخرى أكتب برغبة مسبقة ، وفي هذه الحالة اكتب أسوأ القصائد ولا أنشرها بالطبع.

لا أرتب لعملية الكتابة الشعرية أبدا لسبب بسيط هو أنني لا أعرف الموعد الذي يختاره الشعر، لكنني اعرف المحرضات على الكتابة، كالسفر.. فالسفر اختراق للزمان وليس للمكان، أي أنك عندما تسافرين لا تغيرين المكان فقط إنما الزمن أيضا..وكذلك في أثناء، أو بعد، تجربة عاطفية ساخنة، أو إثر خضه روحية وجدانية. المهم طقس الكتابة خاص جداً وقد يختلف من شاعر إلى آخر، لكن لا تصدقي أحدا يقول لك أنه يمكن أن يجلس وراء الطاولة ويكتب شعراً حقيقياً باللحظة التي يقررها هو، فهذا الشاعر واحد من اثنين أما كاذب وأما كاذب !

 

ـ فترة السبعينات في العراق كانت من أغنى الفترات ثقافياً، لكن يبدو أن هناك وضعاً تغير الآن.. هل حدثتنا عن هذه الفترة؟

·    نعم.. فترة السبعينات كانت فترة غنية ثقافياً وسياسياً أيضا، كان هناك شيء من الانفتاح السياسي تلقفه الناس مثل رحمة نازلة من السماء.. وخلال فترة قصيرة تحول العراق إلى ورشة ضخمة من العمل والنشاط في مختلف ميادين الحياة، وكانت الثقافة في مقدمة العناصر التي ازدهرت، فظهر مئات الشعراء وصدرت آلاف الكتب وبرزت مواهب وإبداعات في الفكر والثقافة والفن، وتحولت بغداد إلى عاصمة للثقافة العربية . لكن كل هذا سرعان ما انطفأ وتدهورت الأوضاع بطريقة دراماتيكية والسبب الأساسي يعود إلى سياسة النظام، فالنظام هو الذي أوقف مسار التطور، الذي حصل في تلك الفترة، عندما اغلق الهامش البسيط من الحريات وشن حملة بوليسية ضد القوى الوطنية، وعسكر المجتمع وذهب بالعراق وشعبه إلى الحرب مع إيران، التي دامت ثماني سنوات، ثم إلى الحرب مع العالم كله، بعد اجتياح الكويت، وهكذا جرى تدمير كل شيء. والعراق يعيش منذ عشر سنوات، أزمات خانقة، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية،إضافة إلى الحصار الدولي والعزلة، ويكفي أن نعرف أن هناك ما يقرب من أربعة ملايين عراقي في الخارج، بينهم آلاف المثقفين والمفكرين والأدباء والفنانين.

 

ـ كيف تقيّم وضع القصيدة العربية في اللحظة الراهنة؟

·             القصيدة العربية في اللحظة الراهنة أشبه بالباحث عن هوية، فهي ضائعة في مناخات التجريب واختبار التقنيات وتنافس الأجيال والتجارب والصرعات، وكما اعتقد أن المشكلة لا تقتصر على القصيدة  أو على الشعر عموماً، فأزمة الشعر مرتبطة بالأزمة العامة للثقافة العربية والمثقف العربي، التي هي نتاج لحالة التدهور السائدة على أصعدة مختلفة فكرية وحضارية وسياسية واجتماعية. وما يفاقم هذه الأزمة هو المتغيرات التي طرأت على حياة الناس، فإلى جانب الانشغال باللهاث وراء لقمة العيش، هناك التطورات الهائلة والمدهشة في وسائل الاتصال والتكنولوجيا والفضائيات، التي صارت تأخذ من الناس وقتهم الفائض، وإزاء ذلك لم يعد الشاعر يجد من يستمع إليه، مثلما كان الأمر في السابق، وهو ما يجعله أكثر فردانية وانطوائية في كتابته القصيدة. ومع أن الكتابة الشعرية عمل فردي خاص أساسا، إلا أن التفاعل بين الشاعر والمتلقي عامل مهم لفعالية الكتابة. طبعاً هذا لا يعني أبدا أنه ليست هناك قصيدة جيدة أو مشروع شعري معبر عن تجربة غنية، بل يعني أن مثل هذه القصيدة أو هذا المشروع يكاد أن يضيع وسط هذه الفوضى.

 

ـ هل تعتقد أن طغيان العلم والتكنولوجيا قلل من حجم القراءة، الأمر الذي أدى إلى صعوبة التعامل مع نص لغوي معقد ومركب مثل الشعر؟

·    إلى حد ما نعم.. فبعد شيوع الفضائيات وتطور الاتصالات، تزايد الميل نحو الفرجة البصرية، وترافق هذا مع تدهور أوضاع الناس المعيشية وغلاء سعر الكتاب، الأمر الذي أدى إلى نوع من العزوف عن القراءة المتأملة والمتعمقة. لكن مهما تطورت أشكال الاتصالات والتكنولوجيا، سيبقى للكتاب عامة ولكتاب الشعر خصوصا موقعه الأثير، الذي لا يعوض أبدا. أما الصعوبة في التعامل مع النص الشعري المركب والمعقد، فهي قائمة في كل زمان، وتطور العلوم والتكنولوجيا فاقم المشكلة فقط.

 

ـ يقال إذا فسدت السياسة تصلح بالثقافة.. إلى أي مدى تلعب الثقافة دوراً في إصلاح السياسة برأيك؟

·    الدور الحاسم كان وسيبقى للسياسة، وفساد السياسة معناه فساد ميادين الحياة الأخرى، بما في ذلك الثقافة. والأدلة على هذا الواقع واضحة وضوح الشمس في عالمنا العربي، ففي ظل غياب الحريات العامة وغياب المشروع الحضاري الديمقراطي  وسيادة أنظمة بهلوانية استبدادية فاسدة، لا يهمها من مصائر شعوبها غير التمسك بكراسي السلطة، ماذا تستطيع الثقافة أن تفعل؟ هناك وهم اسمه دور الثقافة والمثقف في التغيير، وأقول وهم لأن المثقف العربي جرى تجريده من السلاح منذ عقود طويلة فهو لا يملك حتى وسائل الدفاع عن النفس أمام أنظمة تمتلك كل شيء، كل وسائل الترهيب والترغيب.. الأجهزة والسجون ومصادر القوة والبطش من جهة، والمال والمؤسسات والإغواء والأضواء من جهة أخرى. وإزاء هذا كله ليس هناك أمام المثقف سوى طريقين، أما الانضواء تحت خيمة السلطة وقبول هباتها ومكارمها، والترويج لسياساتها، أو الابتعاد عنها على طريقة "ابعد عن الشر وغني له!" وفي الحالتين تعطيل لدور المثقف وإفساد فعاليته وإلغاء حضوره. وبالإضافة إلى هذا هناك مشكلة أخرى هي أن المثقف نفسه يعيش أزمته الخاصة، أزمته مع أوهامه وتصوراته للعالم، وأزمته مع الأيديولوجيا، وأزمته مع السياسي ومع السلطة، لهذا أقول جواباً على سؤالك: لن تستطيع الثقافة إصلاح ما أفسدته الأنظمة، إلا إذا حدثت معجزة.

 

_أخيراً ماذا تحدثنا عن المنفى، ماذا أعطاك وماذا أخذ منك على صعيد الكتابة؟

·  علاقة الكتابة بالمنفى علاقة جدلية تتيح للمبدع الحقيقي فرصة كتابة جديدة. يأخذ المنفى من الكاتب الكثير لكنه يعطيه الكثير في الوقت ذاته. إنه يأخذ (على سبيل المثال) من تماسه الحسي مع حياة شعبه، ومن ايماءات بيئته المحلية، ومن مفرداته اليومية، ومن أدوات كتابته، لكنه في المقابل يعطيه هامش الحرية وفرصة الإطلاع والتجريب ومستجدات المكان. كذلك يعطيه قارئاً جديداً بتكوينه المختلف ثقافياً واجتماعياً. وهنا تتبدئ علاقة الكتابة بالمنفى كعلاقة جدلية تتيح للكاتب ما يمكن تسميته بفرصة الكتابة الجديدة إذا ما استطاع، بالطبع، تمثل المتغيرات والمعطيات الروحية والثقافية وإعادة إنتاجها إبداعيا. وتختلف تجليات المنفى في الكتابة من كاتب إلى آخر. فالبعض ممن كان الشعور بالغربة، وهو التعبير الأول لحياة المنفى، يسكنه داخل الوطن، سيجد أن المنفى وطن آخر لكنه أكثر قسوة. وعند هذا البعض تتجذر الكتابة وتتعمق، لكن الأمر سيختلف لدى من يشعر خارج الوطن وكأنه في حالة فصام نفسية دائمة، فعند البعض من هؤلاء ستكون الكتابة عملية استرجاعية لخزين الذكريات وإذا ما ظلت هكذا سينضب ذلك الخزين، لأن الذكريات نفسها يمكن أن تهترىء إذا ما انقطعت عن التواصل مع الجديد، وسيجد الكاتب نفسه أمام الفراغ. وعند البعض الآخر، في مثالنا نفسه، ستكون الكتابة انقطاعية غرائبية تشبه الوليد المشوه. وللمثال : هناك الكثير من الكتاب العراقيين المهمين توقفوا تماماً عن الكتابة في المنفى، والتوقف عن الكتابة هنا يبدو وكأنه جزء من توقف صلة الكاتب بوطنه، وبيئته وتجلياتها الروحية والثقافية. وهناك البعض تغربت كتابته كما تغرب هو ثقافياً.. بمعنى أنه بتر الصلة بأدواته أو أنه كان منقطعاً أصلا عن هذه الأدوات. البعض الثالث تعمقت كتابته وتجذرت تجربته الإبداعية، وهذا البعض يمكن أن يرفد الثقافة الوطنية بدماء حية ومتواصلة. عموماً لا يمكن المضي بالتفصيل أكثر، لكن يمكن القول إن علاقة الكتابة بالمنفى علاقة جدلية، ومن يستطيع تمثل معطيات المنفى تمثلاً إبداعيا سيتواصل مع كتابته بروح جديدة.

·  جريدة الشرق الأوسط ـ لندن / العدد 8263 /تاريخ النشر 13/7/2001

الى الاعلى