·     اختياري العيش في سوريا عوضني ما لا تعوضه أية أرض أخرى.

    ·     كثرة الشعر الرديء من أسباب أزمة الشعر العربي.

    ·     المهرجانات الأدبية أشبه بحفلات الأعراس!

    حوار : رفيدة أحمد

    · يغلب على شعرك الطابع الوجداني والحس الوطني ما تعليل ذلك؟

    ــ  ما تسمينه بالطابع الوجداني أو الحس الوطني، وما يسميه البعض بالطابع الحزين أو الكربلائي، يمكن اعتباره قاسماَ مشتركاً لموضوعات الشعر العراقي عموماً، والشعر الشعبي على وجه الخصوص. أي أنه يشبه الهوية، التي تميّز الشعر العراقي عن سواه.  والسبب يعود، كما أعتقد، الى مناخ المحنة التي عاشها العراق ولا يزال يعيشها حتى اليوم، وهي محنة صار القاصي والداني، يعرف أبعادها المأساوية وأعماقها الدامية. هذا المناخ، أو هذا الواقع المرير، لا بد له من أن ينعكس في موضوعات الكتابة الشعرية وحتى غير الشعرية، ولا بد له من أن يتجسد على شكل وجدانيات متفجعة أو مناحات بكائية، من دون أن يكون الشاعر، أو الكاتب، قد خطط لذلك. فأنا، على سبيل، لا أخطط مسبقاً للقصيدة وكيف ستكون وأي الموضوعات ستتناول، ومع هذا لا أستطيع الإفلات من هذا المناخ الحزين، حتى عندما أكتب قصيدة غزل.

     

    ·   يقال: "أعذب الشعر أكذبه" ما دور الخيال في قصائدك؟

     

    ــ لم تعد وظائف الشعر كما كانت أيام زمان، فالشعر غادر، الى حد بعيد، أغراض المديح والهجاء والبكاء على الأطلال والغزل بمعناه التقليدي. ومثلما "تغيّر" الشعر فقد تغيرت أيضاً مقاييس ومعايير نقده ودراسته، فلم يعد النقد يدرس، على سبيل المثال، وزن القصيدة وموضوعتها الخاصة وعلى أي البحور اعتمدت، بل صار يدرس جماليات اللغة الشعرية وإيحاءات المفردة وانزياحات المعنى في الصورة والتأملات الذهنية والفلسفية والبناء الفني... الخ، لذلك لم يعد مقياس الكذب والصدق يصلح لتوصيف القصيدة أو تقييمها، فالشعر نتاج لعالم من المعاني والدلالات والأحاسيس الداخلية والإيقاعات الروحية والنبوءات والأخيلة، أو، كما يصفه أبو تمام العظيم بالقول "هو البحر من أي النواحي أتيته" إذن أنا لا أعتقد أن أعذب الشعر أكذبه، بل أعتقد بعكس هذا المعنى، أي أعذب الشعر أصدقه.

     

    ·   مكتوب على الشاعر القلق والانصهار بهموم الآخرين، لأنه يمتلك شفافية ورؤية. هل تسمح لنا بنبش تلك المناطق التي تقلقك؟

     

    ــ لو كنت أعرف ما يقلقني لبحثت له عن علاج، أو عن صرفه، كما يقال، قبل أن تسأليني هذا السؤال. لكن مع ذلك أقول لك إن حالة القلق، أو الشعور بغربة الروح، أمر يولد مع الإنسان، الذي يخرج من بطن أمه وهو يبكي... ألم يلفت انتباهك، لماذا يبكي الجنين ساعة ولادته، وهو، من الناحية الفيزيولوجية، بلا إحساس بالألم أو بالقهر أو بالظلم، فلماذا يبكي يا ترى؟ الشاعر قد يكون أكثر قلقاً لأنه، في الأصل، يبحث عن هذا القلق، بل ويستدعيه أحيانا، هكذا هو الشاعر ولا أعرف لماذا، إنه يشبه الفراشة التي تذهب الى النار، عنوة، فتحترق هناك. أما مصادر قلقي الشخصي فأعتقد أنها مركبة بعض الشيء، فأنا أنتمي الى جيل كان شاهداً عيانياً على ضياع وتحطم الكثير من الأحلام والآمال والطموحات، في الحياة السياسية والاجتماعية العربية عامة والعراقية بوجه خاص. ثم أنني أعيش خارج وطني منذ ربع قرن، فهل بوسعك أن تفارقي اللاذقية كل هذه السنوات؟

    ألا يكفي هذا كمصدر للقلق؟ طبعاً يهمني أن أضيف هنا، أنني لو كنتُ اخترت مكاناً غير سوريا، خلال الربع قرن الماضي من حياتي، لكنتُ ميت الآن من الغربة، فقد عوضني العيش في سوريا مالا تعوضه أية أرض أخرى.... أقول أرض وأعني الناس طبعاً.

     

    ·   العولمة تغزو العالم، وهناك شعار يقول"فكر عالمياً واستهلك محلياً" ألا تخشى أننا لو تمثلنا هذا المفهوم أن نفقد شيئاً من هويتنا وأصالتنا؟

     

    ــ من كثرة هزائمنا، نحن العرب، صرنا نخاف من خيالنا، أمام أي وافد جديد، سواء كان في ميدان العلوم أو الاقتصاد أو الطب أو السياسة، فهو يهز قناعاتنا ويربك منظومتنا الفكرية، وكأن العالم ليس لديه شغلة ولا مشغلة، سوى استهدافنا ومحاولة تدمير ثقافتنا وهويتنا وأصالتنا. ثم أننا نتحدث، في كثير من الأحيان، عن هذه الهوية وهذه الأصالة وكأنهما غشاء العفة، أو شيئاً قابلاً للكسر من أول رمية حجر، ولا أعرف، في الواقع، مصدر هذا الشعور بالاضحوية أو بالانسحاق. فالعولمة منظومة كونية هي بمثابة اختبار ليس لمورثنا وثقافتنا وهويتنا، نحن العرب وحدنا، إنما هي اختبار لثقافات بقية الشعوب ولموروثاتها وهوياتها الوطنية والقومية، ومن يستطيع استيعاب نتائج هذه العولمة، أي توظيف الايجابي فيها، وهضم السلبي منها، سيضمن النجاح في نهاية الأمر. العولمة، بعبارة مختصرة، أشبه بعاصفة مطر غزير، يمكن أن نستفيد منها، إذا كنا جاهزين لاستقبالها، ويمكن أن تغرقنا وتجرفنا سيولها الى الهاوية. وقد يكون مصدر خوفنا وخشيتنا من العولمة هو شعورنا بأن سقوفنا واهية وأبواب بيوتنا مخلعة، لكنني لا أعتقد أن الأمر هكذا، والدليل أن الكثير من مفردات العولمة أصبحت في بيوتنا وبأيدي أولادنا، فهل حقاً أننا فقدنا هويتنا، أو اصالتنا؟ أشك في ذلك، حتى الآن، في أقل تقدير.

     

    ·   ما تأثير الأماسي الأدبية على الشاعر والمتلقي؟

     

    ــ الأماسي الأدبية أو المهرجانات، قديمة قدم سوق عكاظ، وهي تمنح الشاعر فرصة ذهبية للاتصال بالناس وقراءة شعره عليهم، لكن هذه الأماسي والمهرجانات تحولت، في الآونة الأخيرة، الى ما يشبه حفلات الأعراس، فهي هيصة وجمبريصة. لهذا فالضيف المدعو لها قد يذهب ويعود بدون أن تتاح له فرصة السلام على العريس أو تهنئة العروس!

     طبعاً لا تزال الفرصة قائمة لإعادة النظر بطبيعة هذه الأماسي والمهرجانات، لو أن القائمين عليها اعتمدوا مقاييس الإبداع الحقيقي في دعوة المشاركين، ولو أنهم  فكوا الاشتباك بين نانسي عجرم ومحمود درويش، وأعطوا لكل ذي حق حقه.

     

    ·   الشعر العربي بحر زاخر بكل جميل ونفيس، فمن أي النفائس كانت إفادتك؟

     

    ــ الشعر العربي بحر زاخر حقاً  لكنه يعاني من الجزر، للأسف، في هذه الأيام.. إنه يمر بأزمة مركبة، جزءاً منها سببه كثرة ماهو رديء من الشعر الذي ينشر ويقرأ. وعلى الرغم من أن كثرة الشعر الرديء تؤدي، عاجلاً أم آجلاً، الى الشعر الجيد، كما يقول الروائي غارسيا ماركيز، لكنني غير متفاءل بذلك. والسبب الآخر يعود الى انشغال الناس وعزوفها عن الشعر، أما لهمومها اليومية الخاصة، أو لسهولة ما صار متاحاً، في مجال الرؤية البصرية (التلفزيون والفضائيات.. الخ) وكذلك للقراءة الأسهل، أو الأكثر إمتاعاً، وأقصد بذلك الرواية، التي تكاد أن تصبح ديوان العرب، كما يقول بعض الروائيين، وهم على حق الى حد ما. لذلك أقول إن إفادتي، أو مصدر ثقافتي الشعرية، يعود الى زمان الشعر الجيد، عندما كان يجري تداول قصائد الشعراء الكبار، كما المناشير السرية، أو عندما كنا نتلقف مجموعة شعر مترجمة لكي نطلع على منابع الشعر العالمي، أو حين كنا نتبارى في الحديث عن أبي تمام والمتنبي وأليوت ولوركا. لقد ذهب ذلك الزمان وحلَّ محله الزمان الذي لا تجدين فيه من يحضر أمسية شعرية إلا لصداقته أو لقرابته لأحد الشعراء المشاركين، أو لأن لديه وقت فراغ لا يعرف أين يقضيه!

     

    ·   ماذا تحدثنا عن خصوصية الشعر العراقي؟

     

    ــ خصوصية أي شعر تنبع من خصوصية الثقافة بمعناها الواسع، الفردي والاجتماعي، المكتوب والشفهي، وكذلك من تراكم التجربة التاريخية ومنعطفاتها وتعرجاتها، في حياة أي شعب. وقد تكون هناك قواسم مشتركة كثيرة لغوية وحضارية وتاريخية، بين الشعر العراقي والشعر العربي عموماً، لكن هناك أيضا تمايزات وخصائص وأبعاد خاصة  للشعر العراقي، لا يمكن أجمالها هنا، لكن يمكن الإشارة الى طابعها في ميدان التجريب والتجديد والأصالة والمغايرة، التي طبعت الشعر العراقي، خاصة خلال النصف قرن الماضي. ومع أنني غير مواكب بشكل تفصيلي للمشهد الشعري العراقي، في الداخل خاصة، بحكم عيشي في المنفى، لكنني متأكد من أن الشعر العراقي سيقدم إنجازاً جديداً للشعر العربي لا يقل عن إنجاز رواد الحداثة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وسيعكس، أو سيتمثل التجربة الإنسانية المريرة، التي عاشها العراق والعراقيون.

     

    ·   البعض يقول: قصيدة النثر طلاسم بلا موسيقا. ما رأيك بهذا القول؟

     

    ــ القصيدة لا تتخذ اسمها، أو هويتها كقصيدة، إلا من خلال شعريتها، أو قيمتها الإبداعية. فليس كل قصيدة كلاسيكية هي قصيدة جيدة، وليس كل قصيدة تفعيلة هي قصيدة ممتاز. وهذا المعيار ينطبق على قصيدة النثر أيضا. فأنا عندما أريد الحديث عن قصيدة النثر يقفز الى ذهني منجز محمد الماغوط أو سركون بولص أو إنسي الحاج.. أما ما ينشر من شعر رديء، تحت هذا الاسم، فهذا لا ينتمي الى قصيدة النثر ولا الى الشعر عموماً، طبعاً هناك ما يتصل بالذائقة وهذا لا يشمل قصيدة النثر وحدها، إنما كل مدارس وأنماط الكتابة الشعرية، فهناك الآن من لا يزال يعتبر الشعر الحديث أو قصيدة التفعيلة، مجرد بدعة لا علاقة لها بالشعر. وهناك من يعتبر القصيدة الكلاسيكية نوعاً من أيقونة أو انتيكة غير صالحة للتعبير عن الهموم والقيم العصرية. هذه الذائقة ليست مقياساً أو معياراً نقدياً، لهذا أقول هناك قصيدة نثر، عبارة الطلاسم كثيرة عليها، لكن هناك قصيدة نثر جيدة وتستحق اسمها.

     

    ·   كيف ترى الساحة الثقافية العربية هذه الأيام؟

     

    ــ الساحة الثقافية العربية، هذه الأيام، تشبه ساحات كرة القدم في الأحياء الشعبية، لا يمكنك أن تتبيني الكرة من كثرة أقدام اللاعبين والغبار المتطاير. وقد لا تعرفين، في النهاية، من الفائز أو المنتصر، وعلى مَن؟ بسبب غلبة الطابع السياسي على الجو الثقافي، وبسبب المعارك الجانبية والشخصية والخلافية، التي تكاد تحجب الدور الريادي الذي يجب أن يلعبه المثقف العربي، في هذه اللحظة التاريخية العجيبة، وهو دور لا غنى عنه لحركة المجتمع ولمشاريع التطوير والتنوير. لهذا أقول أن الساحة الثقافية العربية تحتاج الى محكمين وقضاة، لضبط إيقاع اللعب الثقافي وإبراز الدور الحضاري لمساهمة المثقف في حياة شعبه وأمته. كي لا ننظر غداً الى الوراء، فلا نجد سوى ركام المهاترات وغبار المعارك الشخصية.

     

    ·   كلمة أخيرة للشاعر جمعة الحلفي؟

    ــ أن يستعيد العراق عافيته بأسرع وقت، وأن يتخلص من الاحتلال وتبعاته.

    الى الاعلى