- 1-

    -1-

    ارتبط الشعر، بوصفه نتاجاً معرفياً وجمالياً، بالمنابع الأولى للتكوين الإنساني وظل مرافقاً لتطور المجتمعات ينتقل بانتقالها من مرحلة حضارية إلى أخرى، ويتخذ مضامينه الوظيفية تبعاً لاختلاف وتنوع المخاضات الاجتماعية، التي تنعكس بدورها على حياة الشاعر وعلى تقنية الشعر. لهذا فبمقدار ما كان الشعر، ولا يزال، نتاجاً وتعبيراً عن مرحلة اجتماعية محددة، بمقدار ما كان وسيبقى عملاً فردياً وإبداعيا خاصاً.

    ثم أن الشعر، وهو التعبير الأكثر رهافة عن الأحاسيس الإنسانية العميقة، المتجسدة تعبيرياً ولغوياً، لم يكن يوماً في منافسة مع أجناس الأدب والفنون الأخرى، بل كان في الكثير من المراحل، سيد هذه الفنون على الإطلاق، فالشعر واحد من أقدم النشاطات الجمالية للعقل البشري وكان، منذ فجر التاريخ، الأداة الأولى لنقل مختلف أشكال التعبير الإنساني بدءاً بالأديان والطقوس ومروراً بالسحر وانتهاء بالأساطير والملاحم، ومع تطوره كنتاج مستقل تطورت أدواته وأشكال وزنه فأكتسب تميزه عن بقية الفنون، لكن هذه الفنون لا تزال حتى اليوم، تحتفي بالشعر وتتعايش معه، تتأثر به ولا تؤثر فيه. ولهذا لم يكن من دون مغزى أن تظهر في مدارس النقد الأدبي مصطلحات مثل شعرية الرواية أو شعرية القصة والمسرح، عدا عن الموسيقى والرقص والغناء، وهي فنون ولدت في وقت واحد مع الشعر ولا تزال مصاحبة له مثل ظله.

    وفي السياق ذاته يمكن الإشارة إلى حقيقة أن الشعر الحقيقي والصادق والخلاق، يبقى شعراً سواء كتب باللغة الفصحى أو العامية، ذلك أن اللغة، في نهاية المطاف، هي وعاء التعبير وأداته وليست التعبير نفسه، والشعر الشعبي العراقي عامة والحديث منه على وجه الخصوص، جسد، ولا يزال، أصدق الأحاسيس الإنسانية وأكثرها رهافة، معبراً بذلك عن التصاقه الحميم بقضايا الناس والمجتمع وبالهموم والأسئلة الإنسانية الكبرى.

الصفحة التالية