يمارس البعض، ممن نصبوا أنفسهم حراساً ورقباء على حياتنا اليومية  الراهنة، دور وصاية على المجتمع (وعلى الثقافة والمثقف خاصة) يذكرنا بدور الوصاية الاستعمارية القديمة على الشعوب. فكما كانت الإمبراطوريات السائدة، آنذاك، تدعّي أنها تريد، بغزوها واستعمارها، نقل حضارتها ومعارفها(و.. ديمقراطيتها!) لإنقاذ الشعوب الأخرى من الجهل والفقر والأمية (وعبارة الاستعمار كانت تعني الأعمار!) يدعّي هؤلاء (اليوم) أنهم يريدون أن ينقلوا لنا أيمانهم وعفتهم وقدسيتهم، لإنقاذنا من الضلال وتجنيبنا الرذيلة والزندقة. والفارق بين وصاية الإمبراطوريات الاستعمارية تلك ووصاية هذا البعض، يكمن في نقطتين اثنتين، الأولى إن هؤلاء من أبناء جلدتنا جغرافياً ودينياً، فيما أولئك غرباء  ودخلاء. والثانية إن الشعوب لم تكن قد خبرت بعد، غايات ونوايا تلك الإمبراطوريات وأهدافها، إلا بحدود الحدس الوطني الرافض للغريب والدخيل، في حين أننا نعرف اليوم حراس الأخلاق هؤلاء كما نعرف أنفسنا، ونعرف أنهم لا يحملون لنا لا الحضارة ولا الطهارة ولا الأيمان الحقيقي، الذي أراده الله والدين الحنيف، بل هم يحملون لنا فقط ما يصلح لتكميم أفواهنا وإغلاق عقولنا، بما يضمن لهم تحويلنا إلى نسخة طبق الأصل عن تصوراتهم لما يجب أن نكون عليه، ثقافة ووعياً وسلوكاً.

    ولو عدنا للتشبيه آنف الذكر سنجد أن نابليون، عندما غزا مصر، كان شعاره الأثير:(تخليص أمة الإسلام من المماليك) بل إنه لبس العمامة والقفطان وصلى في جامع القاهرة، وأشاع بين أتباعه قصة مضحكة عن رؤيته، في المنام، للرسول الكريم " يبشره بالمُلك ويباركه"! وهكذا فعل الإنجليز، بعد بضعة عقود من حملة نابليون، عندما أدعو أنهم جاءوا  ألينا محررين لا فاتحين. وقد ظلت تلك العبارة منقوشة على تمثال قائد الحملة البريطانية، الجنرال مود، في بغداد، عقوداً طويلة، لتذكير العرب والمسلمين، بتلك الكذبة. وها نحن اليوم، كأننا لا رحنا ولا جينا، نغطس في المحنة القديمة ـ المتجددة، لا فقط مع الفاتحين الجدد، بل ومع ديوك الأصولية، أو المستأصلين الجدد، الذين جاءوا من علمانية مبتذلة ليمثلوا، متأخرين، دور الفقهاء القدامى.

    ومصيبة هؤلاء (أو مصيبتنا بالأحرى!) أنهم يريدون لنا أن نقبل صاغرين بكل ما نطق وينطق به شيوخهم من فتاوى التكفير وبث الفرقة وأستزلام الناس واستعداء بعضهم على بعض، لغايات ونوايا مصدرها الجهل والتخلف وهدفها التمذهب والتخادم وإعلاء شأن نزعات التسلط والذكورية، متناسين عمداً وعن سابق تصميم، تلك الآيات القرآنية المقدسة والأحاديث الشريفة، التي تتحدث عن التسامح والحرية والأيمان الحقيقي، كقوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة )  أو ( فذكّر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر..) أو (لا إكراه في الدين..) أو ( إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون..) وغيرها العشرات من الآيات والأحاديث، التي تحض على التروي في إطلاق الأحكام، والتريث في تكفير الناس، وتدعو إلى التسامح والتعامل بالحسنى.

    هذا هو بالضبط ما يفعله ويقوله لنا الأصوليون اليوم، إنهم يرتدون العمائم والجلابيب وبأياديهم السياط، وما علينا إلا سماع خطبهم ومواعضهم عن تحريرنا من الأرجاس وتخليصنا من "مماليك" الثقافة وتجنيبنا الرذيلة!

    ترى أي معنى حضاري، أو معرفي، أو أخلاقي حقيقي، ذلك الذي تقدمه لأمة الإسلام، زوبعة الحجاب، التي تكاد أن تعمى الأبصار عن أخطر المشكلات الإنسانية وأكثر الظروف والأحوال قتامة، التي تعيشها شعوبنا، في عصرها الراهن؟

    أي مغزى وأية دلالة ستكسبنا معركة الحجاب، التي يريد الأصوليون منا خوضها مع مجتماعتنا ومع شعوب أخرى بعيدة عنا، في وقت تنخر فيه الأمية والجهل عقول الملايين من أبناء أمة الإسلام، ويفتك الجوع والمظالم بمصائر ملايين أخرى؟ هل حقاً أن لدينا، أو لدى هذه الملايين، الفاغرة أفواهها، كل هذا الوقت الفائض وكل هذه الطاقة والجهد، للانغماس بموضوعة عابرة،  مثل موضوعة الحجاب، التي تصلح أن تكون من اختصاص دور الأزياء وليس شيوخ الفقه والإيمان، بعد أربعة عشر قرناً على طرحها؟ وهل حقاً أن شرف المرأة وعفتها وأخلاقها، لا تستقيم إلا بقطعة القماش تلك، التي ترميها على شعر رأسها؟ ومتى كانت العمامة أو الكوفية أو السدارة أو البرنيطة، دليلاً أو علامة على أخلاق الناس وحسن طويتها، حتى يكون الحجاب برهاناً على شرف المرأة ونزاهة سريرتها؟   

    وأخيراً هل أدى وأكمل هؤلاء الأصوليون، تكليفهم الديني بالذود عن المظلوم ومقارعة الظالم ومجابهة الاستبداد، ومكافحة الفقر والجهل والأمية، وتنظيف مدنهم وشوارعهم من القمامة والأوساخ، حتى ينشغلوا ويشغلوا المجتمع برمته في معارك لا غاية لها ولا هدف سوى فرض السطوة على الناس وأشغالها بالسفاسف من أمور الحياة؟ أليست هذه المعارك محاولة لاستعادة أسوأ ما في التاريخ العربي ـ الإسلامي، من حقب التطوئف والتناحر والصراع، التي شهدتها المنطقة في القرون الوسطى، وشاعت فيها نزعات التسلط وتغييب العقل، وتكفير الفلاسفة والعلماء، ومنع الاجتهاد وإغلاق أبواب العلم والترجمة، والاكتفاء بالتقليد والدروشة؟

    ترى متى يصبح الأصولي مؤمناً حقيقياً بدينه، مشغولاً بالجوهر من هذا الدين، ومنشغلاً بعلاقته الخاصة مع خالقه، لا ديكاً يصارع مجتمعه على  الترهات؟

الى الاعلى