صنع أدباء ومبدعون كباراً من أمثال الكولومبي غارسيا ماركيز، والتشيلية ايزابيل أليندي، أدباً رفيعاً من أساطير وخرافات شعوبهم، بوصفها جزءً من الثقافة السحرية الغابرة. أما نحن (العرب) فقد صنعنا، ولا نزال نصنع، من حقائق الحياة اليومية المريرة، خرافاتنا وأساطيرنا الخاصة، مجسدين بذلك، أو بالبرهان القاطع، توصيف المستشرق الغربي الشهير أرنست رينان، القائل بأن خصائص العقلية العربية عاجزة عن التركيب لأنها غارقة في المتخيل.  وفي واقع الحال لا يكمن المتخيل، بالنسبة لنا، في طريقتنا للنظر إلى التراث وفي تفسيرنا لهذا التراث، كما يذهب رينان في توصيفه، فحسب، بل هو يكمن في إصرارنا على تحوير الواقع نفسه لكي يبدو لنا بالصورة المتخيلة، وهنا بالضبط تكمن المشكلة.  أما المشكلة الأكبر من هذه فهي تكمن في حقيقة أن ثقافة الخرافة تلك، التي تريد إعادة إنتاج الواقع في صيغة سحرية، هي ليست ثقافة العامة، أو الرعاع، أو الدهماء، كما قد (نتخيل!) إنما هي ثقافة المتعلمين وحتى المثقفين. بمعنى إنها ليست ثقافة الهامش أو الأطراف أو الثقافة الشعبية (الفولكلورية) بل هي ثقافة المتن وثقافة المركز وثقافة النخبة، وهنا بالضبط تكمن الطامة الكبرى.

    ليس هناك ماهو "متخيل"  في هذا الكلام، بل هناك ما لا يحصى ولا يدحض من الأدلة على حقيقة وجود وفداحة "ثقافة الخرافة" السائدة في وضعنا العربي، ليس أقله ما نقرأ ونسمع عن الوضع العراقي وملابساته وما يدور وينسج من حكايات وخرافات وأساطير، حول هذا الوضع، الذي فاجأ عامة العرب وأطلق العنان لمخيلتهم في إعادة إنتاجه وتركيبه.

    ولأن هذا كله ينتمي، إن شئنا، لثقافة الدهماء والعامة ومواهبهم في صناعة الخرافة، فإننا نحيل، هنا، إلى مصادر أكثر أهمية و "نخبوية".  فالتقرير الثاني (2003) للتنمية الإنسانية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعترف، بالعربي الفصيح، بإن واحدة من معيقات التنمية العربية تكمن في تأثير ثقافة الخرافة على العقل العربي وذلك بسبب اتصال هذا العقل بالمعرفة والعلوم والثقافة من جهة ومناقضته لها من جهة ثانية، جراء تغليبه للهوى والرغبة والأماني وتمجيد الماضي، أكثر من اهتمامه بالحياتي والواقعي والحقيقي. وفي محاضرة مهمة نشرتها مجلة (المستقبل العربي عدد 298)  يؤكد الباحث محمود شمال حسن الأستاذ المتخصص في علم النفس الاجتماعي، إن نكوص فئات اجتماعية مختلفة إلى الماضي والتغني بأمجاده واتساع ظاهرة التردد على السحرة والمشعوذين وشيوع الأفكار اللاعقلانية، هي جزء من نتائج الواقع ومعيقات المستقبل. وفي العودة إلى تقرير برنامج التنمية، سنجد أنه يؤكد بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على البيئات الشعبية بل هي تزحف حثيثاً نحو بيئات وقطاعات واسعة تشمل المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية والعلمية. وهو ما يذكرنا بدراسة الباحث المصري المعروف سيد عويس لمئات الرسائل، التي يودعها الفقراء والتعساء من المصريين في شبابيك أضرحة وقبور الأولياء والأئمة، طلباً للشفاعة والمراد، إذ وجد بينها رسائل كثيرة من متعلمين وخريجي جامعات. وبوسعنا أن نأتي بالمزيد من الأمثلة لكننا نكتفي بمثال واحد أخير هو ذلك المتمثل بصفحات وحقول الحظ والتنجيم واستشراف المستقبل عن طريق الأبراج، التي لا تخلو منها صحيفة أو مجلة أو فضائية، تصدر أو تطبع أو تبث، في هذا الفضاء العربي السحري... فهل كان أرنست رينان على خطأ؟

الى الاعلى