جمعة الحلفي، شاعر شعبي عراقي معروف، له مجموعتان شعريتان ظهرت الأولى في بغداد منتصف السبعينات فيما نشر مجموعته الثانية مليت في دمشق منتصف التسعينات، وهو إلى جانب نشاطه الشعري كاتب قصصي، وصحافي واكب انعطافات المعضل العراقي ثقافيا وإعلاميا وسياسيا لأكثر من ربع قرن. عن شعره تحديداً، وجهده الثقافي عموماً، وعن العلاقة بين السياسي والثقافي في رهن القضية العراقية، كان لـ "الأوسط" معه هذا الحوار:

     

    ـ عُرف جمعة الحلفي بوصفه شاعراً، لكنه خلال مسيرته الكتابية تناوبت عليه هموم ثقافية شتى، من الصحافة إلى الكتابة القصصية، كيف يمكن لنا ان نشكّل صورة جمعة الحلفي من هذه الفسيفساء الكتابية؟

     

    * قبل أيام سألني صديق سوري السؤال ذاته بلهجة سورية محببة قائلاً: هل تريد، بكتابتك للقصة القصيرة، أن (تسبّع الكارات؟) فقلت له بين الجد والهزل: ابدا ان الأمر برمته مجرد "إضاعة وقت". وفي الحقيقة هناك شيء من هذا القبيل، فأنا اكتب الشعر الشعبي منذ مطلع السبعينات، ولدي مجموعة صدرت في بغداد عام 1976 وأخرى في دمشق عام 1992، ولدي مجموعة ثالثة مخطوطة واعمل في الصحافة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وطوال هذه الفترة جربت كتابة القصة ومثلت دوراً في مسرحية، ولدي الآن ما يفوق مجموعة قصصية، نشرت بعضا منها في مطبوعات عربية. لكنني أصدقك القول، لم اخطط يوما لأن أكون شاعراً أو قاصاً أو صحافيا... ربما ينطوي الأمر على عملية بحث ضمنية عن هوية ما، أو أنه حقا مجرد "إضاعة وقت". طبعا أقول هذا دون أي ادعاء، لأنه هكذا جرى بالضبط، تصريف لهموم وهواجس أكثر منه محاولة لصناعة كاتب أو أديب. فأنا اكتب الشعر أحيانا عندما أكون على حافة اليأس... اليأس بمعناه الروحي والنفسي، أي عندما تبدو لي القصيدة وكأنها المنفذ الوحيد للخروج من نفق مظلم.. وأحيانا اكتب عندما تمتلئ روحي بالانفعالات الوجدانية، حتى تبدو الروح كغيمة محمّلة بالمطر. أما القصة فاكتبها عندما اشعر بالحاجة لاستعادة مسيرة الماضي بشخوصه وحيواته وشجونه ومسراته. يمكنني أن الخّص الأمر بكونه "استراحة محارب" من عمل الصحافة المرهق.

     

    ـ ثمة من يقول أن مظفر النواب شكل منعطفا في مسيرة الشعر الشعبي العراقي بحيث يمكن أن يقال أن ثمة شعراً قبل مظفر النواب وشعراً بعده، مع إن الساحة تعج بأسماء كثيرة من الشعراء الشعبيين العراقيين، أين يقف جمعة الحلفي في هذه الترسيمة...؟

     

    * يمكن القول إن الحضور الأكثر فعالية وجمالية للشعر الشعبي العراقي بدأ  وتبلور مع حركة ترافقت وتناغمت مع حركة التجديد في الشعر العربي، على يد الرواد كالسياب والملائكة والبياتي وغيرهم. فمنذ ذلك الوقت غادرت القصيدة الشعبية موضوعاتها البسيطة وأدواتها البدائية لتدخل عوالم الشعرية، سواء على صعيد موضوعات الكتابة أو على صعيد أدواتها الفنية. لذلك كان من الطبيعي ان يكون لتجديد النواب تأثيره وأجياله، مثلما كان للسياب والبياتي تأثيرهما اللاحق. لكن لم يتوقف الأمر عند حدود النواب فهناك من جدد على تجديد النواب، واختط له مسالك أخرى في الكتابة الشعرية، ممن يمثلون الجيل التالي للنواب. أنا كتبت مطلع السبعينات، ضمن جيل كان يضم العشرات، اذكر منهم كريم العراقي، رياض النعماني، اسماعيل محمد اسماعيل، كامل الركابي، ريسان الخزعلي. وكان بيننا من تبدو على نصه تأثيرات النواب أو عريان السيد خلف، بوضوح، فيما ابتكر آخرون طرقهم الخاصة بالكتابة وكما اعتقد كنت واحدا ممن حاولوا ذلك.

     

    ـ قيل الكثير عن علاقة السياسي بالثقافي، حتى أن البعض اضطر إلى التوفيق بين هذين المفهومين، فاجترح اصطلاح "السياـ ثقافي" للدلالة على تلازمهما. وبوصفك من المشتغلين في الحقلين معاً، كيف تنظر إلى هذه العلاقة، وهل هناك من "أضرار" تلحق المثقف جراء مثل هذه العلاقة؟

     

    *علاقة الثقافي بالسياسي، أو العكس، أشبه بزواج كاثوليكي. إنها مشكلة غير ممكنة الحل، لا سلباً ولا إيجابا. أي أنها لا تحل بالانفصال ولا بالالتحام، إنما بالعيش المشترك ولكن بدون وصاية أو إخضاع أو إلغاء، بل باحترام متبادل واستقلالية واضحة.

    لكن قبل ذلك يجب السؤال: أي مثقف وأي سياسي تعني؟.. فهناك مثقف مخذول ومرذول صلته بالثقافة نفعية، وهذا يمكن أن يلعب دور المهرج، وأن يزور التاريخ، ويسيء للثقافة، من أجل إرضاء السياسي والانتفاع منه. وهناك مثقف أصيل لا يعرض ثقافته للبيع، وقد يجوع وحتى يموت، من أجل حريته واستقلاليته واحترامه للحقيقة وللقيم النبيلة، المتضمنة في الثقافة. وهكذا الأمر بالنسبة للطرف الآخر، فهناك سياسي يعتبر المثقف مشروع عدو ومنافس، وينظر إليه بشعور من الدونية، ولذلك يحاول تهميشه أو إخضاعه أو تحويله إلى بهلوان.. لكن هناك سياسي يعتبر المثقف جزءاً مكملاً له.. إذن حين تكون العلاقة مختلة ستكون على حساب المثقف بالطبع، أما حين تكون ندية وتنطوي على احترام متبادل، فستكون نافعة للطرفين معاً وتالياً للمجتمع.

     

    ـ هناك من يرى أن عاملا مهما أسهم في إضعاف النشاط الثقافي العراقي، يتمثل في المطابقة بين الثقافة والإعلام. فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن إعلامنا. بأغلبيته، يدار من قبل أشخاص طارئين على الثقافة، نصل إلى نتيجة أن مثل هذه الممارسة من شأنها إضعاف الثقافة والإعلام معاً، برأيك كيف يمكن تخليص الثقافة من هذا البرزخ الشائك؟

     

    *ليست هناك وصفة سحرية لهذه المعضلة لكن يمكن القول إن أول شروط الحل تكمن في توفر ظروف طبيعية ومؤسسات مدنية وحياة ديمقراطية، فعند ذك سيجد الإعلامي مكانه، والسياسي مكانه، والمثقف مكانه، ولن يختلط الحابل بالنابل كما هو حاصل الآن.

    لكن هذا لا يعني بالطبع أن نصمت إزاء هذا الواقع وننتظر المعجزة، بل علينا أن نقول كلمتنا بوضوح وجرأة، وأن نناضل ونطالب باحترام المثقف ودوره ومكانته، وقبل ذلك باحترام الثقافة كقيمة حضارية لا يجب إخضاعها لشروط ومواصفات الإعلام اليومية والتعبوية.

الى الاعلى