حين ينشد العراقيون تنساب الدموع، لأن الكلمات على شفاههم تغدو نايا يسكب حنينه وعذابه. وقد أنشدوا وأجادوا في ليلة حنين عراقية مهداة إلى أطفال العراق نظمتها أخيراً مؤسسة (أداد) للإبداع المسرحي برعاية وزير الإعلام السوري د. عدنان عمران. وليلة الحنين هذه تهادت ما بين الشعر والغناء، فقدم فيها الشاعر جمعة الحلفي باقة من قصائده الشعبية، رافقه خلالها عازف العود أحمد هاشم.

    "الكفاح العربي" التقت الشاعر العراقي جمعة الحلفي في هذه المناسبة وهو واحد من الأسماء المجددة في حركة الشعر الشعبي العراقي، التي ظهرت في السبعينات كامتداد لحركة التجديد، التي بدأها الشاعر مظفر النواب منذ أوائل الستينات. له ثلاث مجموعات شعرية هي "ساعة ويذبل الزيتون" و "مليت" و "عطر الغايب" وهو يعيش في دمشق منذ أوائل الثمانينات.

     

    ـ كيف بدأت علاقتك بالشعر، وما هي المحرضات والمؤسسات لمناخك الشعري؟

     

    **هذا السؤال يحتاج إلى جلسة طويلة، لأنه يتطلب الحديث عن الطفولة والقراءات الأولى والذكريات، وهذا معناه الحديث عن الوطن وعن الانكسارات وعن المنفى... المهم سأختصر لك الجواب قدر الإمكان.

    عندما وعيت على الدنيا وجدت نفسي وسط عائلة كبيرة وفقيرة الحال، لكنها عائلة سياسية إن صح التعبير. فقد كان والدي فلاحاً هاجر بنا من ريف الجنوب إلى العاصمة بغداد، منتصف القرن الماضي، بحثاً عن حياة أفضل لكنه لم يجد مثل هذه الحياة ووجد، بدلاً عنها، حياة كدح وكفاح يومي متواصلين. ولهذا وجدت نفسي مضطراً للعمل وأنا في المدرسة الابتدائية. هذه الظروف، على الرغم من قسوتها، هي التي دفعتني للتعلم وللقراءة، وكنت أخرج كتب أخي من صناديق الخشب المطمورة واقرأ فيها... قرأت الروايات العالمية المعروفة. طبعاً لم أكن أفهم منها الكثير لكنها كانت الأساس. وفي وقت مبكر من حياتي اشتغلت في السياسة وكان عمري 17 سنة، وفصلت من المدرسة الثانوية، ثم اعتقلت أكثر من ثلاث مرات، جراء النشاط السياسي، هذه التجربة، ومرة أخرى أقول، على الرغم من قسوتها، هي التي علمتني كتابة الشعر...

     

    ـ وكيف كانت البدايات مع النشر والاعتراف بك كشاعر؟

     

    ** في العام 1970 بدأت أجرب الكتابة الشعرية. وكنت أكتب وأرسل إلى الصحف والمجلات وكانت هذه تنشر لي مقاطع قصيرة في بريد القراء، وكان ذلك مصدر فرح بالنسبة إلي، حتى جاء اليوم الذي نشرت لي فيه إحدى الصحف قصيدة كاملة، وأذكر أن عنوانها كان (دهشة). بعد ذلك بسنوات قليلة أصدرت "ساعة ويذبل الزيتون" وهي أول مجموعة نشرتها في العام 1976، ومع ذلك كنت ما أزال أعتبر نفسي ضيفاً على الشعر، وكما هي حال الضيف حين يبدو حرجاً وخجلاً ومتردداً، كنت هكذا حينها، أكتب القصيدة ولا أنام ليلتي قبل أن أقراها لصديق واسمع رأيه فيها، لكي أتأكد أن ما كتبته هو شعر حقاً. أما في "مليت" وهي مجموعتي الثانية، فقد صرت صديقا، ولنقل من أهل البيت، فقد تجاوزت حرج وتردد الضيف، ولم أعد بحاجة إلى استشارة أحد. هذا على الصعيد الفني، أما على صعيد موضوعات الكتابة فقد حدث ما يمكن تسميته بالنقلة، فقبل ذلك كانت موضوعاتي محدودة ولا تخرج، إلا نادراً، عن الحنين والبكاء على أطلال التجارب والانكسارات السياسية والعاطفية، وهذا ما أعتقد أنني تجاوزته أيضا، نحو عوالم شعرية وجمالية أرحب وأعمق بدأت ملامحها في "مليت" واكتملت أو تواصلت في مجموعتي الثالثة "عطر الغايب".

     

    ـ في القصيدة التي ألقيتها في (ليلة الحنين العراقية) بدمشق، (تالفه روحي بغيابك) كان الحب معادلاً للصلاة، والانتظار معادلاً للعبادة، بماذا تحدثنا عن هذه العلاقة الخاصة بالآخر؟

     

    **مثلما هو الشعر معادل للجمال، فالحب هو الآخر، معادل للعبادة. والحب والحنين حالة عبادة من نوع ما لا يمكن أن يعبر عنها سوى الشعر. فأنا أعتقد أن الشعر لا يمكن استخدامه في غير هذه الأغراض والموضوعات، أي موضوعات الحب والجمال والخير والحنين والشوق، أما الآخر فهو موضوع هذه العبادة، وهو الهدف في النهاية، لأن الآخر هو النصف الثاني من الأنا وهو ليس جحيماً، كما يقول سارتر، بل هو الجنة ذاتها اذا ماتعمقت العلاقة معه وتخلصت عن الماديات والشيئيات واليوميات السطحية.. وأخيراً أقول قد يتخذ الآخر هذا، صورة الوطن والعكس صحيح أيضا.

     

    ـ ماذا تركت تجربة المنفى من تأثير في مناخاتك الشعرية؟

     

    **علاقة الكتابة بالمنفى علاقة جدلية تتيح للمبدع الحقيقي فرصة كتابة جديدة. يأخذ المنفى من الكاتب الكثير لكنه يعطيه الكثير في الوقت ذاته. انه يأخذ (على سبيل المثال) من تماسه الحسي مع حياة شعبه، ومن أجواء بيئته المحلية. ومن مفرداته اليومية، ومن أدوات كتابته، لكنه في المقابل يعطيه هامش الحرية وفرصة الاطلاع والتجريب ومستجدات المكان. كذلك يعطيه قارئاً جديداً بتكوينه المختلف ثقافيا واجتماعياً. وهنا تتبدىء علاقة الكتابة بالمنفى كعلاقة جدلية تتيح للكاتب ما يمكن تسميته بفرصة الكتابة الجديدة اذا ما استطاع، بالطبع، تمثل المتغيرات والمعطيات الروحية والثقافية وإعادة إنتاجها إبداعيا.

     

    ـ شعرك مشبع بالحنين وكأن تفصيلات الحياة كلها غائبة لديك... ماذا تقول في ذلك؟

     

    **الإنسان عموماً مملوء بالحنين والمشكلة في طريقة تعبيره عن هذا الحنين، وبالنسبة إلى العراقي قد يكون الأمر مركباً بعض الشيء، فالعراقي لا يملك تاريخاً، على صعيد الهجرة والغربة والمنفى، كان العراقي عندما يسافر من الريف إلى المدينة تودعه أسرته وأصدقاؤه بالبكاء وكأنه ذاهب دون عودة، فكيف وهو يجد نفسه اليوم ضائعاً في منافي العالم بلا وطن ولا أهل ولا مستقبل؟ هذا واحد من أسباب امتلاء القصيدة والأغنية العراقية بما أسميته الحنين. وبالنسبة إليّ الأمر أكثر تعقيداً فأنا غادرت وطني منذ عشرين عاماً، فقدت خلالها أقرب الناس إليّ وفي المقدمة منهم الوطن، فماذا تتوقعين أن يكون عليه شعري؟

    الى الاعلى