حين كان يناصف السعف وصرائف بغداد، برائحة التراب وقت الهجيرة، كانت تشغله فواجع الأيام وهموم الصبية في أزقة غير مرصوفة، وأحلام فقراء طاردتها الخيبات في منابتها. منذ تلك الأيام، حين صافح رفاقاً مهتمين تنبأ بأن "يذبل الزيتون" بعد أن اغترب في وطن سورته الحراب والشوارب، غادره إلى مغترب جديد... اختاره لذاته الجامحة نحو فضاءات الحرية والحلم.. يتلمس اللحظة الحالمة في عتامة أيامه، التي تراكمت عليها المحنة، إنه شاعر حمل جراحه، التي لم يعرف عددها غيره، ليبدلها بترافة القصيدة وحرفة الكتابة وشهقة الوصول إلى قصد ليشم "عطر الغياب" الذي دام طويلاً.

    عن أمور كثيرة ومختلفة تنوعت ما بين محطات اغترابه وتنوع منجزه الثقافي وهموم العمل ومكابدات المنفى، تحدث لنا الشاعر والكاتب جمعة الحلفي، الذي زار بغداد مؤخراً ولفترة قصيرة ورحل عنها ثانية ولا أعلم متى يعود..؟!

     

    ـ مابين اليوم الأول لرحيلك أو هروبك من العراق ويوم عودتك إليه مسافة طويلة تقارب الربع قرن، ولحظات الحزن والخوف في يوم الرحيل هي غير لحظات الفرح الآن... كيف تصف لنا هذا المشهد؟

     

    **هناك أشياء كثيرة تحدث لنا في الحياة ولا نستطيع وصفها أو التعبير عنها بالكلام. خذ مثلاً الألم والفرح، فأنت حين تتألم تبكي أو تصرخ وحين تفرح تفعل الشيء ذاته مع اختلاف معنى البكاء والصراخ بين الحالتين. وفي أحيان أخرى وأمام بعض المواقف المفاجئة وغير المتوقعة، تصمت أو تصاب بما يشبه الخرس، اندهاشا أو خشوعا.. هذا بالضبط ما حصل معي صباح التاسع من نيسان، فقد كنت جالساً أمام شاشة التلفزيون طوال الليل والنهار، وعندما سمعت المذيع يتحدث عن انهيار النظام، أحسست وكأنني اسمع ذلك في الحلم. بل حتى عندما شهدت لحظة سقوط تمثال صدام، ظللت صامتاً فترة طويلة كالمشدوه، لا أقوى على الحركة ولا على التعبير عن شيء. لهذا أقول لك ، صادقاً، أنني حتى هذه اللحظة لا أستطيع وصف ذلك الحدث العجيب، أو التعبير عن تلك اللحظة المقدسة، لحظة سقوط الطاغية. أما حزن الرحيل وفرح العودة، فهما يحتاجان إلى وقت لاستيعابهما.

     

    ـ عدت إلى بغداد بعد نحو ربع قرن من غيابك عنها، كيف وجدتها، بغداد المدينة والشباب والذكريات؟

     

    ** لم أجد بغداد للأسف... أقصد بغداد التي احتفظت بصورتها في ذهني وفي مخيلتي طوال الأربع والعشرين سنة الماضية، لم أجدها وإنما وجدت مدينة أخرى، مدينة شائخة ومتعبة ومرمدة. لم أجد شيئاً زائداً على المدينة التي تركتها في العام 1979 سوى تلك الكتل الإسمنتية الضخمة والمغبرة الخالية من أي مسحة جمالية، والتي كانت رائحة الحرائق لا تزال تنبعث منها، أما بغداد القديمة فقد وجدتها حزينة ومشوهة وبلا روح، وهذا ما جعلني أقف مشدوهاً وحزينا كالغريب في تلك الشوارع الأليفة، التي كانت بالنسبة لنا جزءاً من خارطة أرواحنا وصبواتنا.. كانت شرايين حياة تنبض في ذاكرتنا. والغريب أن الناس كذلك كانوا يشبهون مدينة بغداد، فقـد لاحظت أن تسعين بالمئة من الرجال الشباب، شعرهم شائب، وهذه علامة ملفتة على ما تحمله العراقيون ومدنهم من مظالم وآلام، جعلتهم يشيبون مبكراً.

     

    ـ ماذا عن الشعر... البدايات الأولى، المجموعات الشعرية التي اصدرتها خارج العراق.. التطورات التقنية التي طرأت على قصيدتك الشعبية؟

     

    ** كتبت الشعر منذ ثلاثين عاماً ولا أزال أحاول الكتابة دائماً. الشعر كان بالنسبة لي أحد الملا ذات، التي احتميت بها في سنوات الغربة، إنه يشبه موقد النار في ليالي الزمهرير. نشرت مجموعتين في الخارج "مليت" عام 1992 و "عطر الغايب" عام 2002 ولدي ساعة ويذبل الزيتون" الصادرة في بغداد 1976.

     

    ـ معنى هذا أنت مقل، فخلال أكثر من عشرين سنة، لم تنشر سوى مجموعتين ماذا يعني هذا؟

     

    ** يعني أنني مقل فعلاً، ولكنني أعتبر القصيدة الجيدة أشبه ببيضة الديك، أما الشعراء الذين يطبعون كل خمسة أشهر مجموعة شعرية فهؤلاء أشبه بالدجاج البيّاض.. أنا مقل بمعنى التأني وانتظار لحظة الكتابة الحقيقية. التي تأتي من غير مواعيد ولا تحضيرات، لا يهمني كثيراً عدد المجموعات الشعرية بل تهمني قصيدة واحدة معبرة وصادقة ومدهشة، فهي تعادل "مجموعة" شعرية كاملة، مصنوعة صناعة مسبقة. الشعر الجيد والصادق هو الذي يحمل عطر الأشياء لا صورتها، إضافة إلى ذلك أنت تعرف طبيعة عملي، فالصحافة عمل منهك لا يعطيك الفرصة أحياناً لكي تحك رأسك، فكيف تكتب الشعر؟

     

    ـ مادمنا تحدثنا عن مجموعة "عطر الغايب" فقد وجدت فيها ملامح التجديد،  التي اشتغلت عليها في الصورة الشعرية أو المفردة، واضحة. ويمكنني القول بأن هذا الاشتغال أو هذا الأسلوب، يمثل ملمحاً جديداً أو بداية جديدة، لمرحلة شعرية يمكن أن تكون ممهورة باسمك؟ هل تتفق معي في هذا ؟ وهل كان للمكان الذي عشت، فيه أثرا في ذلك؟

     

    ** "عطر الغايب" هي بيضة الديك بالنسبة لي، فمنذ صدرت وحتى اليوم لا أستطيع التخلص من أجوائها ومناخاتها، وهي حصيلة خالصة لتجربة شعرية تخلصت خلالها من موضوعات الكتابة التقليدية السائدة، مثل الحنين والبكاء على أطلال التجربة السياسية وسوى ذلك. ويمكنني القول أنها خطوتي الأولى بعد أكثر من ربع قرن من كتابة الشعر. فقبل ذلك كانت موضوعاتي محدودة ومضغوطة بالهموم والتجارب والانكسارات السياسية والعاطفية، وهذا ما أعتقد أنني تجاوزته في عطر الغايب، نحو عوالم شعرية وجمالية أرحب وأعمق بدأت ملامحها في مجموعة "مليت" واكتملت أو تواصلت في المجموعة الأخيرة، وينعكس هذا في اختيار أو في التقاط اللحظة الشعرية وفي تشذيب الصورة وفي العزوف عن تصنيعها.

    وكذلك في توظيف الإحساس بالأشياء المحيطة من دون إقحام أو تقريرية، وكذلك في استخدام المؤثرات الحسية مثل اللون والحركة والإيماءة والصمت. طبعاً كان للمكان تأثير كبير، والمكان هنا بمعنى البيئة والحياة اليومية والتفاصيل الأخرى.

     

    ـ في هذا الصدد أود أن أسأل عن الجيل الشعري الذي تنتمي إليه، فكما هو معروف اعتبرت قصيدة مظفر النواب حداً فاصلاً لمرحلتين شعريتين الأولى تحمل ملامح القصيدة الشعبية ذات المشهد التقليدي، أما الثانية فهي مرحلة شعرية فيها الكثير من ملامح التجديد لمفهوم القصيدة الشعبية، ولكل مرحلة من هاتين المرحلتين أسماء متعددة انتظمت بشكل جيل شعري له ملامح واضحة.. كيف يمكن أن تحدثنا عن التيارات أو الأجيال الشعرية آنذاك، وتأثيرها على عالم الشعر الشعبي العراقي؟

     

    ** تجربة النواب كانت الأساس في انطلاق حركة التجديد في الشعر الشعبي العراقي، وهي حركة كانت رديفة لحركة التجديد في الشعر العربي ومع مراكمة النواب لهذه التجربة بنتاجه الغزير والمتفرد إبداعيا، كان أفق التجديد في أساليب وإشكال الكتابة الشعرية يتسع هو الآخر ويتنوع في مديات التجريب وحرية الاكتشاف والتمايز. ومع إن قصيدة النواب استمرت حية وطازجة، في شكلها ومضمونها، إلا أن هناك، من الشعراء، من راح يبحث في أعماق أخرى تحت أرض التجديد التي فتحت أمامه، مستنبطاً موضوعاته وأساليبه الخاصة في الكتابة الشعرية وبوسعنا الإشارة هنا إلى أسماء كثيرة اذكر من بينها عزيز السماوي وعريان السيد خلف وطارق ياسين وعلي الشباني وشاكر السماوي وكاظم الركابي.. هؤلاء وسواهم كانوا يمثلون الجيل اللاحق لمظفر، وهو جيل تميز في بحثه عن أساليب كتابة وموضوعات شعر جديدة ومغايرة، ثم بعد ذلك جاء جيل آخر بداية السبعينات، ليجرب كتابة أخرى للقصيدة الشعبية راكمت وكرست مكانتها في المشهد الإبداعي والشعري العراقي، ومن أسماء كثيرة أتذكر كاظم الكاطع وكريم العراقي ورياض النعماني وريسان الحزعلي واسماعيل محمد اسماعيل وأبو سرحان وكاظم الربيعي.

     

    ـ إلى جانب الشعر الشعبي كتبت الشعر بالفصحى والقصة القصيرة وأخيراً كتبت الرواية (مسار السنونو) بالإضافة إلى هموم العمل الصحافي اليومي.. أين أنت؟

     

    ** مرة سألني الروائي والناقد السوري، الصديق نبيل سليمان، السؤال ذاته بلهجة سورية محببة قائلاً: هل تريد بكتابتك للقصة القصيرة والرواية ان (تسبّع الكارات) أي ان تجمع سبع صنائع؟ فقلت له بين الجد والهزل: أبدا ان الأمر برمته مجرد إضاعة وقت وفي الحقيقة هناك شيء من هذا القبيل فالكتابة بالنسبة لي، شعراً كانت أم نثراً، عدا الصحافة طبعاً لانها مهنتي ومصدر عيشي، هي محاولة للترويح عن النفس ولتبديد الوقت إن صح التعبير، ولذلك فأنا لم أخطط يوما لأن أكون شاعراً أو قاصا أو روائياً بالمعنى البروتوكولي السائد، وهذا ليس من باب التواضع أبدا، إنه إحساسي الداخلي،  وربما ينطوي الأمر على عملية بحث ضمنية عن هوية ما، أو أنه حقاً مجرد تضييع وقت.

الى الاعلى