عن القصيدة والشعر، عن السياسي والثقافي في إبداع القول، وعن القصيدة الشعبية، مالها وما عليها، تفردها وحضورها وغيابها في شعر المنفى وثقافة المنفى، وحضورها في الحس الشعبي والوجدان.. عن كل هذا كان لنا الحوار التالي مع الشاعر الشعبي العراقي جمعة الحلفي المقيم في سوريا منذ سنوات عديدة.

 

ـ كيف تنظرون إلى المنجز الشعري العراقي في المنفى... وهل تعتقدون أن هذا المنجز يمثل تواصلاً مع ما حققته القصيدة العراقية من حضور وتفرد على مستوى القصيدة، التي اصطلح على تسميتها بـ (الشعبية)؟

 

** بصراحة... يصعب تقديم رؤية ملمة وشاملة تلخص رأياً أو حتى نظرة موضوعية، عن المنجز الشعري العراقي في المنفى، والأسباب كثيرة، أولها غياب حركة نقدية تتابع هذا المنجز بالكشف والاستقراء والنقد. وهذا الشيء ملفت ومؤلم حقاً، لأنه من دون النقد، ومن دون فرز الجيد عن الرديء، حتى في تجارب شعرائنا الكبار، ومن دون استقراء تجارب الشعراء الجدد والكشف عما هو متميز وواعد فيها، سيبقى المنتج  الشعري العراقي بلا مواصفات وبلا ضفاف، إن لم اقل بلا هوية حيوية. ثانياً، هناك الاتساع الجغرافي الشاسع الذي يتوزع عليه الشعراء العراقيون، وهذا يقلل من فرص الحوار والاطلاع. وثالثاً، هناك اختلاف واختلاط الأجيال التي تكتب الشعر في الخارج. لذلك يمكن فقط تقديم انطباعات عمومية في الغالب عن المنجز الشعري العراقي في المنفى، فعلى صعيد الكم هناك أطنان من المجاميع الشعرية، التي صدرت خلال العقد ونصف العقد الماضي، وأنا احدد هذا التاريخ لأن نهاية السبعينات كانت المحطة الأولى والكبرى لهجرة العشرات من الشعراء العراقيين. وفي خضم هذا الكم من النتاج الشعري تجد مراكمة لتجارب شعرية  متميزة وأخرى عادية. كما تجد محاولات جديدة وواعدة، لكن هناك أيضا، وهو الغالب، ما لا يمكن تسميته شعراً إنما محاولات إنشائية لتصريف الطاقة أو لتفريغ الانفعالات الوجدانية العابرة.

اما بشأن تواصل هذا المنجز الشعري مع ما حققته القصيدة العراقية عامة، فأعتقد ان الأمر لا يحتاج إلى سؤال، فقد أغنى هذا المنجز، بتراكمه ونوعه، القصيدة العراقية ومنحها ابتعادا فنية وإنسانية ومعرفية جديدة.

 

ـ غالباً ما يراد من الشاعر خارج الوطن أن يتخذ موقفاً سياسياً واضحاً و (بصوت عالٍ).. كيف ترون الموازنة الصعبة بين الثقافي والسياسي، وهل يجب أن تنحاز القصيدة بجماليتها لموقف إيديولوجي سياسي؟

 

** قد اختلف معك في عبارة (الشاعر خارج الوطن) فهي عبارة حيادية وقد تعني أن هذا الشاعر هو في الخارج طوعاً أو اختياراً، بمعنى شاعر مسافر... لذلك ستختلف إجابتي عن هذا المقصود، لأن حالتنا ليست كذلك بالتأكيد، فنحن في الخارج منفيون، بل وحتى مطاردون إن شئت. وهذا النفي هو مفردة في قاموس المحنة العامة التي يعيشها العراق، محنة شعب ووطن وتاريخ وثقافة، ومن هنا لا غرابة في أن تجد من يطالب الشاعر العراقي بموقف سياسي واضح، لأنه شاعر، وهذه العبارة لها دلالات كثيرة تعني الوعي والحساسية والمسؤولية والطليعية..الخ. بمعنى آخر أن مطالبة الشاعر العراقي في المنفى (حتى في الداخل) بالموقف السياسي الواضح، تكتسب مشروعيتها من الدور المؤمل أن يلعبه هذا الشاعر  في عملية التغيير المنشودة وفي وقف طاحونة المأساة.

أما بشأن الشطر الآخر من سؤالك فأنا ممن اكتووا شعرياً بالسياسي وهراوته، فلا يزال يربض في ذاكرتي ذلك القيادي الذي قرأ قصيدة لي كنت أعتزم قراءتها في مهرجان، فرماها بوجهي قائلاً هل تريد أن تخرب الجبهة الوطنية، أذهب واكتب قصيدة غيرها اليوم!

 

ـ وهل كتبت ما أراده منك القيادي؟

 

**كلا اطلاقاً.. قرأت القصيدة نفسها ولم تخرب الجبهة بسبب ذلك طبعاً.. لكني دفعت الثمن .. عقوبة تنبيه!

لذلك أقول بصوت عالٍ: لندع القصيدة تنمو في الهواء الطلق، لندعها تستكمل شروط الولادة خارج الحاضنات الإيديولوجية، ففي نهاية المطاف، ستنتمي، مثل هذه القصيدة، للمُثل الإنسانية، ولكل ماهو خيّر وجميل.

 

ـ خاضت القصيدة العراقية، ومنذ تحديثها من قبل نازك والسياب والبياتي، في متغيرات شتى، وتبنتها أجيال شعرية حسمت النهوض بالمشهد الشعري العراقي... كيف تنظر إلى تعدد الأجيال في القصيدة الشعبية وهل ثمة صراع قائم، كما هو الحال، مع القصيدة التقليدية والحديثة؟

 

** لم يكن موروث الشعر الشعبي بحجم موروث الشعر الفصيح. لذلك لم تواجه حركة تجديد القصيدة الشعبية أية صراعات، فيما عدا ما واجهته على صعيد موقف السلطة الحالية من كتابها وموضوعاتهم الشعرية. لكن في جوانب أخرى سارت القصيدة الشعبية على المسار ذاته الذي سبقته إليه القصيدة الحديثة، بمعنى أنها تجددت في مضامينها مثلما تجددت في الشكل والصورة والبناء عموماً، وكما تعددت أغراض القصيدة الشعبية وتنوعت مضامينها وجماليتها، تعددت أيضا الأجيال التي كتبتها. لكن للأسف، عانت القصيدة الشعبية، أكثر مما عانت الحديثة، من غياب النقد بصورة شبه تامة، كذلك تعرضت للتشويه على يد البعض ممن وجد فيها وسيلة للتسول على أبواب السلطة، التي التقطت، في وقت مبكر حجم التأثير الذي تملكه القصيدة الشعبية على الذاكرة الفردية والجمعية للناس. لكن مع ذلك، ومع أن الشعراء الشعبيين هم ليسوا وحدهم من سخروا قصائدهم لمدح النظام والترويج لسياسته ومغامراته، إلا ان البعض وللأسف، لا يريد أن يرى غير الشاعر الشعبي في هذه الحلبة، وكأن شعراء الفصيح لم يلوثوا الشعر في المستنقع ذاته.

 

ـ للقصيدة كما لأي شكل من أشكال الممارسة الإبداعية، خصوصية في الكتابة، هناك بناء فني، صورة شعرية، لغة.. هل للقصيدة الشعبية خصوصية كتابية، وهل خضعت هي الأخرى لتطور أسلوبي وفني؟

 

**خصوصية الكتابة الشعرية واحدة سواء كتبت القصيدة بالفصحى أو بالعامية، فالاختلاف هنا هو اختلاف اللغة، أو الأداة بعبارة أدق. وأنا، لا أخفيك، تستفزني مثل هذه الأسئلة لأنها تشبه من يسأل الصيني عما اذا كانت النساء عندهم يلدن الأطفال، مثلما تلدهم النساء عندنا؟ ومع ذلك أقول لك دون مبالغة، بأن هناك قصائد شعبية تتميز، في بعض مواصفاتها الفنية والجمالية، على القصيدة الفصحى، وخذ مثلاً بعض قصائد مظفر النواب وكذلك عزيز السماوي أو علي الشباني أو شاكر السماوي، فستجد فيها بناءً فنياً غاية في الدقة والتعقيد معاً، ولغة شفافة ومفتوحة على الواقع بإيحاءاتها دون انغلاق، مع تخيل عميق وصافٍ في ابتكار الصورة الشعرية. باختصار قد لا تجد أبطالا ملحميين مثل سعود وصويحب وحسن الشموس، لدى غالبية شعراء الفصحى الكبار، مثلما تجدهم لدى النواب وفي قصائده الشعبية بالذات.

 

ـ كيف تكتب؟ أي هاجس ينتابك وأنت تكتب في قصيدة؟ ولماذا هذا الحضور الطاغي للعراق في قصيدتك؟

 

**أحيانا أكتب عندما أكون على حافة اليأس.. اليأس بمعناه الروحي والنفسي. أي عندما تبدو لي القصيدة وكأنها المنفذ الوحيد للخروج من نفق مظلم، وأحيانا اكتب عندما تمتلئ روحي بالانفعالات الوجدانية اللاهبة، حتى تبدو الروح كغيمة محملة بالمطر. وفي أحيان أخرى اكتب مضطراً أو برغبة مسبقة لغاية ما، وفي هذه الحالة الأخيرة كتبت أسوأ القصائد!

أما لماذا الحضور الطاغي للعراق في قصائدي، فهو سؤال يعيدني إلى موضوع الغربة والمنفى.. دائما يترافق مدلول المنفى مع مدلول العقاب، لأنه، أي المنفى، لا يحمل معنى الاختيار بل معنى القسر والتسلط والطرد، وهذه المعاني تجعل المرء وعلى الدوام، ينشد رد الاعتبار الذي يأخذ أحيانا، شكل التمسك بالهوية (الوطن) التي يراد سلبها منك، وهذا واحد من الأسباب. كذلك هناك محاولة التعويض وتوكيد الانتماء عبر الحضور في مفردات الوطن وتاريخه ومعاناته.. الخ. وأخيراً هناك محاولة التمسك بالجذور وحماية الذاكرة من زحف الغربة وتجلياتها.

 

ـ أين الشعر الشعبي الآن؟

 

**إذا كان السؤال يعني الغياب الإعلامي فهو صحيح نسبياً. إذ باستثناء بعض الأصوات، وهي لا تنشر سوى القليل وبين أوقات متباعدة، يبدو الشعر الشعبي العراقي في الخارج وكأنه بلا حركة ولا حيوية، أما إذا كان السؤال يعني أين موقع الشعر الشعبي الآن، فبوسعي أن أحيلك إلى آخر قصائد النواب وعزيز السماوي وكامل الركابي ورياض النعماني وأسماء أخرى، لا تزال غير معروفة. ففي هذه القصائد يمكنك أن تجد الكثير مما يؤكد حضور الشعر الشعبي العراقي، شعرياً وجمالياً ووطنياً، إلا أن الافتقار إلى فرص النشر والنقد، يجعل من تساؤلك مشروعاً، ثم هناك مفارقة في هذا الشأن، فمن خلال تجربتي الشخصية وجدت أن العرب أكثر اهتماماً واستقبالاً للشعر الشعبي العراقي من العراقيين أنفسهم.. وكأن مطربة الحي لا تطرب، حقاً!!

 

*العدد 149 تاريخ 9 /5/1996

الى الاعلى