يحظى الشعر الشعبي العراقي بقبول واسع، وبتلق وتعاطف كبيرين من قبل فئات واسعة من الناس، سواء داخل العراق أو خارجه، وهو يؤثر في الوجدان الوطني تأثيراً فاعلاً، ويرفعه نحو وعي أعلى.. وبهذا يصبح الشعر الشعبي معبراً عن آلام وآمال الناس، ودافعاً إياها نحو المشاركة في الفعل الوطني...فيما يلي مقابلة مع الشاعر العراقي جمعة الحلفي أجراها معه مراسل "نضال الشعب" في اللاذقية.

     

    ـ رائحة الغربة تنبعث من كل حرف في شعرك، كيف تتعايش معها؟

    ** في علم النفس يقال، إن الإنسان عندما تبتر  يده أو ساقه لسبب ما، يبقى سنوات يتخيل أنها موجودة، حتى أنه يضرب بها الهواء أحيانا، أو يتكىء عليها. وضياع أو مغادرة الوطن تشبه بتر أعضاء الإنسان. لقد بقيت سنينا لا أتصور أنني قد أضعت الوطن، لكن بعد هذه السنين تيقنت من ذلك، والحياة في الغربة، مهما كانت الظروف، تبقى حياة من يمشي بقدم خشبية، ولكن مع ذلك لا بد من كلمة صادقة، فأنا في سورية استعدت ثلاثة أرباع وطني، إن صح التعبير.

    قانون يمنع الشعر الشعبي

    ـ عبّرت عن غربتك وتجربتك النضالية من خلال الشعر المكتوب بالعامية، ماهو تأثير هذا النوع من الشعر على الجماهير العربية، وما دور اللغة في التواصل مع الجمهور على أساس الكتابة "باللهجة"؟

     

    ** أنا أعتقد أن اللغة المحكية أكثر قدرة على تمثل هموم وأحاسيس الناس، خاصة إذا كان الشاعر الشعبي قادراً فعلاً على استخدام هذه اللغة بشكل شعري مبدع. والشعر الشعبي العربي لعب دوراً مهما في مراحل النضال الوطني والاجتماعي أكبر بكثير من دور الشعر الحديث، لأن الأخير انشغل كثيراً في شكل القصيدة وغاص شعراؤه في التجريب والتجريد والابتكار. في العراق، على سبيل المثال، هناك عشرات من الشعراء الشعبيين، وكان لقصائدهم مساهمة، غاية في الأهمية، على الصعيد السياسي والاجتماعي، خاصة وإن جُلّ هؤلاء الشعراء كانوا ينتمون الى الحركة اليسارية، حتى أن النظام، ولهذا السبب، أصدر قانوناً في السبعينات، منع فيه نشر الشعر الشعبي أو إذاعته أو إقامة الأمسيات له.

    مهمات ضد التطويع

    ـ كيف ترى دور المثقف العربي في مقاومة التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، وكيف يمكن أن يؤديه؟

     

    ** عبارة التطبيع ليست معبرة تماماً، فما هو مطلوب فرضه أخطر من التطبيع، هو، بعبارة أدق، التطويع، أي تطويع المنطقة العربية ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، واستثمار كل ذلك لحساب إسرائيل وأمريكا، بشكل خاص، والوقوف بوجه هذا التطبيع أو التطويع، مهمة تقع على عاتق جميع الوطنيين وفي المقدمة طبعاً المثقفين العرب. لكن هذه القضية للأسف يجري ابتسارها بطريقة ساذجة من قبل البعض ممن يعتبر الأمر مجرد فرصة لتسجيل موقف إعلامي. فأنا أعتقد إنها قضية نضال طويل وشاق، تحتاج أولا، الى أدوات نضالية غير متوفرة الآن، واقصد هنا الديمقراطية، إذ بدون مناخ ديمقراطي حقيقي، لن يتمكن المثقف العربي من مواجهة التطبيع، إذ سيبدو مثل ذلك الحلاق في الحكاية الشهرية، الذي راح يصرخ في بئر، بأن أذان السلطان طويلة! ثم إن الموقف من التطبيع يجب أن يتلازم مع الموقف من التسوية الجارية، بمعنى هل نحن مع التسوية مع إسرائيل، على الأسس القائمة حالياً؟ فهناك من هو مع التسوية ولكنه ضد التطبيع وهذا ملفت، وهناك كثيرون يصرخون اليوم ضد التطبيع لكنهم سيصمتون غداً بكل تأكيد، عندما توقع بلدانهم مواثيق التسوية لأن هؤلاء مرتبطون عضوياً بموقف السلطات في بلدانهم.

    شاعر القبيلة

    ـ ما هو المعيار الذي نقيس به مستوى النجاح أو الفشل بالنسبة الى عمل أدبي ما؟

    **ليست هناك مقاييس محددة أو ثابتة، فالعمل الأدبي نتاج موهبة وتجربة، وهذه المواهب والتجارب تتفاوت من كاتب الى آخر. باختصار شديد هناك عوامل كثيرة جمالية ومعرفية يجب توفرها في النص الإبداعي الناجح، لكن يظل المقياس الأول هو موهبة الكاتب وثقافته وتجربته العميقة والصادقة.

    ـ هناك رأي للشاعر العربي مظفر النواب يقول: نحن في زمن شاعر القبيلة الحديثة. ما هو رأيك؟

    **هذا صحيح بحدود معينة، أي بحدود الإعلام الرسمي السائد، لأن هناك عديد من الشعراء ليسوا شعراء قبيلة، وفي مقدمتهم مظفر النواب نفسه، وهو شاعر جماليات وطموحات ومعارف. ثم ان القبيلة أخذت أبعادا شمولية وسعت أغراض الشعر، فإذا كان الشعب مثلاً أو الوطن قبيلة حديثة فهدا مبرر لأن يكتب عنه شعرياً.

    الجمال والخير

    ـ هل الحياة السياسية أو الالتزام لشاعر أو مبدع تمنحه مستوى قالبياً جامداً قد لا يرقى إليه فعلاً بحقيقة عطائه، ما وجهة نظرك في هذا الموضوع الهام؟

    **الشعر يتكون وينمو في القلب، بالضبط كما هو الحب، ولذلك هو خارج القوانين المنطقية وخارج الملموس اليومي. أما السياسة فهي المنطقي والملموس، لكن بوسع السياسي ان يلتقي مع الشعر في الميادين الشاملة، بعبارة أخرى، كلما كانت الكلمة صادقة، سواء كانت شعراً أو أي جنس أدبي آخر، كانت ملتزمة بطبيعتها، وأنا هنا لا أقصد الالتزام بمعناه الضيق بل بمعناه الشامل، أي الالتزام بالجمال والخير والحب وبطموحات الإنسان الى الرقي عموماً. أما الالتزام السياسي فإنه في أحيان كثيرة يصبح قيداً إذا ما وضعه الشاعر كهدف للقصيدة.

    جراحة شعرية

    ـ بصراحة ديوانك "مليت" نقد للتجربة السياسية والنضالية كيف تفسر ذلك وأنت المناضل السياسي الملتزم؟

    **تجربتنا السياسية في العراق تجربة مريرة ودامية، حتى يبدو نقدها شعرياً مجرد ملامسة بقفاز من الحرير. ومن يستمع الى الأغنية العراقية سيكتشف ان قصيدة "مليت" هي جزء من منظومة حياتية عامة وخاصة عاشها ولا يزال العراقيون. وأعتقد ان أي مسار أو تجربة سياسية لا يمكن ان تستقيم من دون نقد بما في ذلك النقد الجارح الذي يشبه الجراحة الضرورية للجسد لمريض، وهذا كما أرى لا ينتقص من الالتزام، فالالتزام في نهاية المطاف لا يعني التسامح الدائم أو الإهمال، عندما تكون الأخطاء سبباً لحياة مناضل.

    حضور الشعر الشعبي

    ـ ماذا عن تجربة الحركة الشعرية المكتوبة بالعامية في العالم العربي من خلال الأسماء. أفاق تطورها؟

    **للأسف لا تتسم الحركة الشعرية الشعبية العربية بسياق أو نسق عربي عام. فهناك طابع قطري بتفاوت من بلد الى آخر، فعلى سبيل المثال، لا يمكن قياس حركة الشعر الشعبي في سورية بمثيلتها في العراق، ففي العراق مثلاً هناك مالا يقل عن مئة شاعر شعبي وهناك مجاميع شعرية تصدر باستمرار وآماسي ومؤتمرات للشعر الشعبي، في حين لا نجد في سورية إلا حسين حمزة وعمر الفرا وعيس أيوب، لكن يمكن أن تجد حركة شعرية شعبية غنية ومتميزة في مصر ولبنان، فهناك صلاح جاهين وعبد السلام الأبنودي وسيد حجاب واحمد فؤاد نجم في مصر وهناك ميشيل طراد وطلال حيدر وآخرون في لبنان، وهذه الأسماء اللامعة مع مظفر النواب وعريان السيد خلف من العراق تؤكد أن الحركة الشعرية الشعبية متميزة ولها حضورها الجماهيري

    محمود بديع بغدادي مراسل نضال الشعب

الى الاعلى