عطر الغايب

شغل مظفر النواب بجدارة، وطويلاً، صدارة المشهد الشعري الشعبي العراقي، لكن هذه الصدارة أخذت تنشغل بسواه، وبخاصة أن جديده، في الشعبي أو في الفصيح من شعره، بات يتعيش منذ حين غير قصير، على أمجاد الماضي، ويجترها.

وربما كان جمعة الحلفي في طليعة من أخذ شعرهم الشعبي ينازع تراث النواب على الصدارة، وهو التراث الذي لم تنل السنون من أغلبه، لكن الاستمرارية بالجديد وبالتجديد أمر آخر، كما دلل جمعة الحلفي، من مجموعته السابقة (مليت ـ 1992) إلى مجموعته الجديدة التي أهل بها هذا العام: (عطر الغايب).

كان الحلفي قد أصدر مجموعته الأولى (ساعة ويذبل الزيتون) عام 1976 في بغداد. ولأن هذه المجموعة صودرت بعد أسابيع، فقد ذيل صاحبها ديوانه الجديد بمختارات محدودة منها، وفيما يبدو أنه ضن بها من الضياع، لكنه يومئ أيضاً، وأساساً، إلى علامة التجديد في شعر الشاعر، ومنها قصيدة (وردة الثوب) التي تضارع كتابة قصيدة النثر، عبر التشكل في نص أنثيالي موقع، وفي مغامرة تجريبية لافتة.

بالطبع، تحمل مختارات المجموعة الأولى من وسم البداية ما تحمل. لكن الشاعر، الذي فرً من بغداد عام 1979 ، وامتد به المقام في دمشق، بعد إقامة قصيرة في عدن، تابع الاشتغال على علامة التجديد التي نمت عنها بداياته، واستطاع في محطتيه التاليتين ـ ديوانيه التاليين، أن يحقق تفرده وامتيازه، من دون سند من استثمار الغناء للشعر، وبضغط متفاقم من العيش العراقي في المنفى. ولعل إدراك الشاعر أن الرهان الأكبر يقوم بالتجديد والتجريب، هو ما جعله يصدّر (عطر الغايب) بما سماه (إضاءة)، هي، على إيجازها، بحث هام في حركة تجديد الشعر الشعبي العراقي.

يرى الحلفي أن هذه الحركة جاءت على يد نخبة من المثقفين، ذات صلة بالأدب والفن، والثقافة بالتالي، كانت عنصراً أساسياً في تجديد الشعر الشعبي. وإذا كان هذا لا يعني، بطبيعة الحال، وكما يقول الحلفي، أن من هو ليس مثقفاً، لا يستطيع كتابة القصيدة الشعبية الحديثة، فإنه يعني أن المثقف أقدر على اكتشاف أسرار اللغة، وتكوين الصورة، مما استتبع القول بتحقيق الشعراء المثقفين لتطور القصيدة الشعبية العراقية من مداراتها الشفهية وموضوعاتها التقليدية، إلى عوالم الشعرية الشمولية "فهؤلاء هم من استخدم الرمز والأسطورة وضمّن القيم العصرية وابتكر أشكالا جديدة لكتابة القصيدة الشعبية، وغاص في أعماق الإنسان ومشكلاته الروحية، وطرح تساؤلاته العميقة إبداعياً". ويعدد الشاعر من أولاء الشباب، الذين شكلوا جيل السبعينات من القرن العشرين: إسماعيل محمد إسماعيل وكريم العراقي ورياض النعماني وريسان الخزعلي وبشير العبودي، وكامل الركابي وآخرين، وبالطبع: جمعة الحلفي.

وفيما تذهب مقدمة ديوان (عطر الغايب)، أثارت حركة هؤلاء الشعراء الشباب الامتعاض الرسمي، وأغلبهم كان من المحسوبين على الحركة اليسارية، مما دفع بمحاولة الاحتواء الرسمي إلى سن قانون "حماية اللغة العربية" لإعاقة الكتابة والنشر باللهجة المحلية، بينما كان المشهد الشعري يفسح لجماعة مجلة (المتفرج) أو (الفكاهة) أو (جمعية الشعراء الشعبيين) ممن كانوا يعتبرون أنفسهم حراساً للتراث الشعبي العراقي.

من الأهمية بمكان هنا قراءة جمعة الحلفي لتاريخية تجديد الشعر الشعبي العراقي. ولعل التقديم لذلك، بما ساق سواه في تجديد الشعر الشعبي العربي بعامة، أن يجلو الأهمية ويضاعف الإضاءة المتوخاة. فهذا راشد عيسى، وفيما كتب عن ديوان (شبق وحبق) للشاعر الشعبي الفلسطيني سعود الاسدي، يرى أن الشعر الشعبي العربي، ظل "تقليدياً مكروراً على وقت متطور من القرن الماضي، إلى أن بدأ يتجدد ويتطور مع الدم الفني الجديد على يد شعراء مثقفين، كان أغلبهم يكتب الشعر الفصيح أيضاً، فاستفادت قصائدهم من النقلة الفنية الحديثة التي أحدثها الشعر العربي الحديث في الستينات تحديداً، واستمراراً حتى اليوم" (مجلة الفينيق 1/12/2000 عمّان). والعيسى يحدد ما يعنيه بالشعر المحكي على أنه ذلك المكتوب بصورة جديدة وببناء فني على نمط التفعيلة.

أما جمعة الحلفي، فيرى أن حركة تجديد الشعر الشعبي العراقي _ وعلامتها الأولى الأساسية قصيدة النواب (للريل وحمد) قد انطلقت في مطلع الستينات، مثيلة لحركة التجديد في الشعر العربي (الفصيح) التي سبقت على يد السياب ونازك والبياتي…

فمع مظفر التواب وعريان السيد خلف وشاكر السماوي وعزيز السماوي وسواهم "غادر الشعر الشعبي العراقي بصورة شبه جذرية مشهده التقليدي السالف، بما انطوى عليه من غنائيات غزلية ووجدانيات في المديح والمراثي ووظائف أخرى، ظلت تقيده لقرون عدة بحدودها الصارمة ومواصفاتها المغلقة. كذلك كان قد غادر إلى حدود بعيدة، أشكاله القديمة في القريض أو الموال والأبوذية والميمر والمربع…".

هذا الوعي التجديدي تجسده مغامرة الحلفي في (عطر الغايب) ابتداءً من مفارقة السائد في بكائيات وهجائيات المنفى العراقي، إلى الحفر في أفق ـ الذات العاشقة. وتتأكد تلك المفارقة في القصيدتين اللتين ينفخ المنفى في روحهما، وأولاهما (بغدا شام) تفتتح الديوان: (( مسه (مساء) الخير عله بغداد / على شباك بالبصره / على أبونا الفرات وطينته ودهله / مسه الخير على دجلة الحزينة / الغافية الترفه)). أما القصيدة الثانية (مو بحر) فتضيق بذلك القادم من (( غبرة حروب وظلم حكام )) ليرمي رأسه على صدر البحر لاهجاً: (( دم أهلي هذا البحر / دم أهلي ياقوت/ من أور من أشور/ من نينوى ومن أكد / من أول التاريخ لليوم/ بس العراقي يموت )). وتتجلى فرادة الصورة وثراء المخيلة كفرادة اللغة وثرائها فيما ترسم من ذات العاشق، التي عشش الصبار في جروحها ونبت، وهي: ((شباك وحكي وخشبة باب وفضة عذاب)) أما رسم ذات المعشوق، الذي يندر أن يحضر بغير صفة المذكر، فهو يوقد أغلب القصائد، ومن ذلك نقرأ في القصيدة التي حمل الديوان عنوانها: (( عطرك اسمك.. خصرك العنوان والتيجان صرتك.. جنة بخور وشمع وآنا درويش بحضرتك))، كما نقرأ في ( نايم وطولك صحو): ((حيرة نومك / حيرة تصحى/ وحيرة تغفى/ حيرة ترضى/ وحيرة تزعل/ وحيرة يتخالط دمعنا/ وحيرة يصفى)).

هكذا تلاعب المخيلة العاشقة معشوقها، فإذا بألف نهار يمرح فيه، وهو (غيمة مستحه) و(خصره همزة وصل) وإذا قدومه (ليلة عيد) و (صبحية عرايس) و( رنة هاون من بعيد) و (زيبق مراية لهاتك) و (مباوسك قهوة بدو)… وبعض ذلك تشكله قصة، وبعضه يشكله الحوار، وفي أية حال تتماوج في القصيدة  الإيقاعات الداخلية كالخارجية، ويكون لها ذلك الطعم الحريف دوماً والطازج دوماً. وقد تحوط الشاعر لعائق اللهجة أمام القارئ غير العراقي، فختم ديوانه بملاحظات لغوية حول النحت والابتداء بالساكن وإضافة أل التعريف إلى الفعل، وأثبت جدولاً شارحاً لبعض المفردات التي قدّر استغلاق محليتها.

لقد أضاف جمعة الحلفي بديوان (عطر الغايب)، ومن قبل بديوان (مليّت)، علامة فارقة في العقد الذي ينظم الشعر الشعبي العراقي الحديث بخاصة، والعربي بعامة.

*روائي وناقد سوري.

الى الاعلى