في دأبهِ لأن يخُلّص قصيدة الشعر الشعبي، التي يكتبها، من أثقالِ نبرتها الضاجة، وفي سعيه لنبذ الصيغ الجامدة والهيمنة شبه المطلقة للمحددات الاستعارية، ضمن هامشها الضيق الموروث، ينحو الشاعر العراقي المبدع جمعة الحلفي منحىّ جديداً في كتابته الشعرية، وخاصة في مجموعته الأخيرة "عطر الغايب"، فهو يبدو مشغولاً بابتكار الصيغ والطرائق التي تعينه على الإتيان بصور متفجرة الدلالات، محتشدة بزخمها الاستعاري، متمردةً على السياق الثابت في شكل ومضمون قصيدة الشعر الشعبي العراقي.

ولعل العنوان الدال للمجموعة يُشكلُ ماندعوهُ بـ "ثريا النصوص" إنِّهُ يكوِّنُ الآصرة التي تنتظمُ القصائدَ كُلَّها، فبنية الافتقاد المشعة من ذلك العنوان المنتخب المليء بالأسى، تنطوي على مفارقة مضمرة وحزينة، فالعطر مدرك ومحسوسِ، لكنه غير مرئي، إنه غائب، بينما الغائب مفتقد ومستدعى بعطره، يغدو ذلك حضوراً مفارقاً عصياً وموجعاً في الوقت نفسه. فالغائب وعطرهِ صارا حاضرين أمنية وحلماً، غائبين واقعاً ووجوداً، إنهما مفتقدان ويغدوان طيفاً مستدعى في الذاكرة فقط، عندها يكون العطر خصيصة للغائب وسبب حضوره المتمنى والمستحيل، وهو ما يكرّس الأسى ويمنحنه حضوراً ثقيلاً ومؤلماً.

سنأخذ من قصيدة "عطر الغايب" ص48، مقطعاً هو الآتي:

شأرسم بفضة عذابي

ولوح عمري حجاية منك

شأ كتب بدفتر غيابك؟

طولك؟

طولك مثاوب مستحه.. وكذاب نومك

من أجيسك

تنفرط حبات روحي عله الشراشف

شلون المْ روحي وألمك؟

شلون بيّه.. شلون بيك؟

الصور الشعرية هنا تخذل المعايير التقليدية وتشاكس المتواضع عليه استعارة ووصفاً "طولك مثاوب مستحه.. وكذاب نومك" فالوصف هنا خرج عن قاعدة "طولك شطب ريحان" أو "نخلة عيطة"، ذلك أن الشاعر حاول أن يرتفع بالمعطى الواقعي الى ارتقاء تعبيري سامق، محققاً زخماً شعورياً لذيذاً يتجاوز المتوقع، ويلج فضاءً جديداً يقود القصيدة الى أن تتبنى أطراً تعبيرية تمتاز بالجدة والطرافة، وتبتعد عن الصور الجاهزة والتقليدية.

يشتغل الحلفي، في مشروعه الشعري،على أنسنةِ المحيط، فهو يحاور الموجودات ويستنطق التفاصيل، محاولاً ترسيخ علاقات جديدة مع الأشياء من حوله، عله يبتكر عالمه الإنساني المفتقد، فردوسه الضائع. أنسنة التفاصيل عند الحلفي هي بحثُ عن ملاذٍ روحي يكسر سطوة الزمن السادر وجفاف العالم الإنساني..

نايم وكلشي يتثاوب

روحي والشباك والبيبان

وورود المخده

وشمعدان الشمع

وثياب الزغيرة

المقطع أعلاه المأخوذ من قصيدة "نايم وطولك صحو" ص60 يُسبغُ بعداً إنسانياً على تفاصيل المحيط الجامدة، إنه شكل من أشكال المشاركة الحميمة لنبذ الشعور الفادح الذي يكرس الوحدة ويفرش الأسى المر على مساحة الروح كلها.

شيجيب الصبح ونفز

مل الليل من الليل

لسه..

والشارع غفه بين الرصيف ونام

حتى الليل جودر ع الرصيف ونام

حتى الطير جودر ع الرصيف ونام

وحتى النوم

جودر ع الرصيف ونام

من قصيدة "المسافر" ص 86 ومن القصيدة نفسها هذا المقطع:

والفانوس!..

مل يضوي ع السكه

يروح ويه الهوى ويرد

تعته الحسبة وترده

سيكون من المفيد هنا الإشارة الى ريادة واضحة للشاعر الحلفي في ضرب جديد من ضروب الشعر الشعبي، تلك هي القصيدة المدورة، فهذه القصيدة تتمرد على تقاليد القصيدة الشعبية المحكومة بأطر معينة، ولا تتردد ـ القصيدة المدورة ـ في الإفادة من فنون أخرى كالأسلوب السردي والتناغم اللوني، فلنأخذ مقطعاً من هذه القصيدة التي كتبها الحلفي قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً:

بين البسمه والنظره الغريبه التايهه، عشك مورّد بيّه وبيها. والريح الشبّت مجنونة ودارت بين الغرفة وبين الشارع هلهولة تندي عله الشفه التقره وتتنده من البسمه. خانتنه البرده المفتوحة وفضحت كل أحلام الوردة، والغرفه الخجلت من كف امتدت تطوي الشباك المسدود. غفله ولن الوردة المرسومة عله الثوب الأصفر ذبلت.. ذبلت.. ذابت..طفّت كل النار الجانت بين أطراف الكرسي وبين عيوني.

قصيدة "وردة الثوب" المكتوبة بإيقاع دائري، هي حركة دينامية متناغمة ومحسوبة الوقع، ذات نفس واحد متصل، تتظافرُ فيها الأبعاد التشكيلية للمحيط مع الهواجس النفسية للشاعر. فهذه القصيدة المدورة والمكتوبة في وقتٍ مبكر نسبياً، توسلت أسلوباً سردياً رشيقاً وهادئاً، لكنه مشحون بتوتر درامي متصاعد ينسجم تماماً مع طريقة السرد الواطئة النبرة، المحتشدة بالصور الأخاذة المعبرة. الحلفي في هذه القصيدة يسحبُ الحُلمَ الى الواقع ويحول التفاصيل المكونة للمكان (الساكنة والمتحركة، المرئية وغير المرئية، المعقولة وغير المعقولة) الى عوامل متفاعلة قامت، جميعها، بمنحنا حالة اللايقين اللذيذة إزاء قصيدة "وردة الثوب"، فهل هي حلم استحال الى واقع أم هي الواقع في هيأة حلم مذبوح الذروة؟

في واحدة من أروع قصائد المجموعة، قصيدة "سحابة" ص 35، يتصاعد الألم الإنساني في تساؤل مرير معذب عن نهاية مرتجاة لمسيرة الأسى الطويلة هذه.لا تفتعل الرؤية الشعرية عند الحلفي أي وهم شعوري بخلاص محتم. الصدق الفني عند الشاعر يرغمهُ على أن يغمس أصابعه بمجمرة الحقائق الكاوية دون الاتكاء على صيغ جاهزة من تفاؤل هو أكذب مئات المرات من واقع يسخر من أحلامنا كل لحظة. فالحلفي ينتزع تساؤله من أبعد بقعة في أعماق روحه، لذلك يأتي تساؤله صاخباً ومدمى:

غيمة الله

عشش الصبار بجروحي ونبت

وأنتي من آخر سما

وآخر حزن

وآخر عمر

ليمته أتاني

من سما أجروحي المطر؟

المعمار الفني في هذه القصيدة متراتب الوحدات البنائية، متناغم الإيقاع، مكتمل الشروط، حيث يكون المفتتح إخباراً بصيغة أمنية عسيرة التحقق:

من زمان أنطر سحابة وما إجت

غيمه.. ما مرّت على أحد من قبل

غيمه من آخر سما.. وآخر عمر.

ليحتشد التساؤل ويتدفق ـ ألماً مؤسياً وانتظاراً نوعياً واضح المراد والمبتغى، وهو لا يغلق المفتتح بل يترك باب القصيدة مشرعاً لكل الاحتمالات:

ليمته أتاني

من سما أجروحي المطر؟

يحرص الحلفي على نصاعة الشكل الفني للقصيدة، عن طريق انتقاء مفرداتها ومعمارها. يبدو ذلك جلياً في اختياره لقاموسه الشعري المكوّن من نسق من المفردات التي تحيلُ الى أفق دلالي وفضاء تعبيري واسع، الأمر الذي يمنح قصائده ثراءاً فنياً واضحاً ينأى بها عن سطحية الغرض ورتابة الأداء. وهو بهذا يشكلُ صوتاً له فرادته وخصوصيته في خريطة الشعر الشعبي العراقي. فهو يورد ويستخدم صياغات وتقنيات تكاد أن تكون جديدة في بابها حين يلعب على تقنية الإيهام بتحويل الواقع الى حلم والحلم الى واقع، وقد أشرت الى ذلك في قصيدة "وردة الثوب".

كما سيلقي هذا المقطع المأخوذ من قصيدة "الفراشة والطفل" ص 55 الضوء على طريقة الشاعر الحلفي في الإفادة من الحلم ليرتقي بالقصيدة الى سمو فني أخاذ يُقطّرْ الأسى ويؤنسن الموجودات فتبدو القصيدة أغنية تخففت من أثقال كثيرة وصارت محضُ جمال سابح في فضاء الزمن:

مدري ليش ومن شنهو زعلنا؟

كنّا ملتفتين مدري لوين

من صرتي الفراشة وردت أصير آنا الطفل

طرتي مني بعيد.. بعيد

طرتي عَ الشباك عَ البيبان

ع البردة الزغيرة

ومن نزلتي نزلت الدمعه عله خدي

وما مسحتيها و..كبرنا

تذكرين من كبرنا شكد بجينا .. شكد حزنّا؟

لعل "عطر الغايب" بحسها التجديدي الواضح تُشكلُ إضافة مهمة لتراث القصيدة الشعبية العراقية ونقلة نوعية في نتاج الشاعر.

* قاص وكاتب عراقي / سوريا

الى الاعلى