حتى أجل لاحق وغير مسمى سيظل السؤال عن ماهية ومضمون "الثقافة" التي أنتجت خلال العقود الثلاثة الماضية في العراق، أي في ظل شرط الاستبداد وتعبيراته وآليات عمله، سؤالاً ضرورياً وجوهرياً يستوجب الكثير من الجهد والبحث من أجل تقصي الآثار والندوب والتشوهات الفكرية والسلوكية والنفسية، التي خلفتها تلك الثقافة. وإذا كانت المقابر الجماعية وفظائع السجون والإعدامات والموت المجاني، هي الوجه الدموي الأكثر تعبيراً عن نمط السلوك السياسي للنظام السابق، فإن آلية التفكير الدغمائي ومظاهر الظلامية والتقديس والخنوع للفرد- الديكتاتور وأنماط السلوك العبودي، هي من بين أوجه التركة الثقافية الثقيلة، التي خلفها هذا النظام.  ومثلما سيحتاج المجتمع العراقي إلى حقبة من الزمن ومن علاقات وأنماط الحياة المغايرة، لتجاوز الآثار الروحية والنفسية الدفينة لمشاعر الفقد والخسارات  ومرارات القسوة والوحشية، التي تركتها مشاهد الجماجم والعظام البشرية المتكدسة تحت التراب، سيحتاج، لا محالة، إلى حقبة أخرى قد تطول، من ذلك الزمن المغاير لاستعادة طاقته على انتزاع أو تغيير سلوكيات وآليات تفكير وأنماط تعبير، كانت ثقافة النظام قد تركت  ندوبها محفورة في جسد المجتمع وفي بنيته الروحية والنفسية، ذلك أن تحرر الإنسان ـ المجتمع من سطوة القمع وعبودية القوة ليس شرطاً وحيداً، أو كافياً لتحرره من آثار وتشوهات تلك السطوة وتجلياتها الدفينة في أنماط وأنساق التفكير والسلوك.

    لقد أسس النظام السابق ثقافته تلك، مثل أية ثقافية شمولية، على مبدأ استبدادي تعسفي، يفترض اليقين والصدقية افتراضاً تجريدياً وينظر إلى المجتمع المتلقي لهذه الثقافة بوصفه مجتمع القطيع القابل، بالرشوة والترغيب أو بالقسر والتعسف، على هضم وتمثل ما يضخ له، فكراً كان أم أدباً أم فناً. ولم تكن تلك اليقينية الخرافية متأتية فقط من جوهر تلك الثقافة بوصفها ثقافة استبدادية وقسرية وقدرية، بل وكذلك من تلك (الضمانات) التي يوفرها لها الطابع القمعي التعسفي، الذي كان سائداً في حياة المجتمع، وهو الطابع الذي وفر لها، أي للسلطة السياسية، فرصة بلوغ غايتها في اختراق المنظومة المعرفية الاجتماعية والثقافية وتشويه أنساقها الحسية والجمالية، الأمر الذي أوقع ثم عمق من حالة اغتراب الثقافة عن هويتها الوطنية الأصيلة وعن طابعها الإنساني، وأحدث شرخاً في بنيتها العامة لا يمكن جسره بمجرد إقصاء منتجي ومروجي تلك الثقافة، إنما يستوجب الأمر اجتثاث كامل التشوهات التي أحدثتها ثقافة النظام عبر إعادة بناء جذرية للثقافة الوطنية تقوم أساساً على قاعدة إعادة الاعتبار لهذه الثقافة الأصيلة والاعتراف بدورها كحامل للإرث الإبداعي والحضاري وبدور المثقف كعامل فاعل وحيوي في عملية رفد ومراكمة كل ماهو معرفي وتنويري، في كيان هذه الثقافة، وتعزيز طابعها الديمقراطي. كذلك يجب أن تقوم على قواعد وأسس حرية الرأي والتعبير والعلاقات الايجابية واستقلالية المثقف واحترام دوره وحماية حقوقه. فعبر هذه الأسس والقواعد وفي ضوئها فقط  يمكن  إنجاز مهمة إعادة بناء الثقافة الوطنية وتخليصها من ذلك الركام الرديء والظلامي، الذي نطلق عليه، مجازاً أو تجاوزا، أسم ثقافة.

الى الاعلى