تبدأ القصيدة حينما يتدفق نزيف الروح ، مندفعة كالسيل لتشكل طوفان مشاعر ورؤى وأحداثاً وشخصيات. وتصوغ من ذاكرة الشاعر ويومياته الحاضرة، معطيات ودلالات ومفاهيم في غاية الإنسانية والشفافية والحيرة والقلق والتوجس!!

هكذا هو هاجس القصيدة ، وهكذا هو حال الشاعر جمعة الحلفي في مجموعته الشعرية "ملّيت" ، التي ضمّت قصائد  كتبت بين سنوات السبعينات والتسعينات من القرن الماضي. والمجموعة تُفتتح بقصيدة" فاتحة المحبة" التي كتبها الحلفي مشاركة مع الشاعر رياض النعماني ، وهي فاتحة حلميه لم يستطع البُعد الجغرافي تعطليها أو بث القنوط فيها، وهي كذلك  رسالة محبة للعراق نزفها الشاعران رغم تعاسة منافي فرزت بكائية مُرّة مُجسّدة عبر صور شعرية بقدر ما هي بسيطة في لغتها تمتلك صوتاً جارحاً وجريحاً :

البارحة بالليل

كبل ما ينسى الكمر ضوياته ونجومه

كبل وجه الصبح بشوي

دك

دك

دك بابي العراق بـ..بهيد

افتحت باب الكلب اهلا

اهلا يا عراق!

اهلا.. وين دجلة والنخل

وبيوتنا الحلوه

بجه.. بجه بروحي العراق وسكتته

همومه

كعدني البجي من النوم

لني بغربتي ألبس ألبس المنفى هدوم

هوه هناك..وانا هنا

شيجيب العراق واكعد أحجي وياه

شيجيب العراق وأكعد أبجي وياه

من فاتحة المحبة والى " بساتين الورد" ينقلنا الحلفي نحو طقوس العشق وجنون التوهج عبر قصائد مساحتها المكانية تبدو صغيرة ولكن فضاءاتها الزمانية تمتد وتمتد فاتحةً للقلب شهوته الرومانسية العالية وللروح زخماً شعرياً يتحرك صوب أفق الحياة المفتوح لتساؤلات عاشق لا يرسم المرأة تخييليا، بل ينحتها بأزميل نحّات يتهرب من محسوس مادته النحتية إلى أفكاره السرمدية:

مِن يا نبع مِرتوي

من يا غصن تفاح جبت ألوان لخدودك

مِن يا مِجرة نزلت

مِن يا سما يا كاع لَميت

الهوه لعودك

ومن حيرة العاشق ، من لهفته لاحتضان دفء الحبيبة يتسربل الحلفي بمشاعره الفياضة والساخنة والظمآنة ، ناثراً تساؤلاته في مواجهة امرأة ،حالة حلم يفقدها أو فقدها من زمن طويل وهو أي الحلفي في اندفاعاته وتساؤلاته يُعبئ مفرداته بمسحة رومانسية هائلة في تمردها وخروجها عن السائد الشعري الشعبي وفي قدرتها المتماهية مع روح قصائد الشاعر الكبير حاج زاير من السقوط في لعبة التقليد أو التناقض مع ارث الشعر الشعبي العراقي. الحلفي لا يجرب فقط لتأسيس لغته الشعرية الخاصة به، فهو كذلك يُغامر في تعاطيه مع اللغة وهذا  فعل يسجل له كونه يطلق مشاعره دون رقابة عقلانية، لذلك تأتي قصيدته بعيدة عن التخطيط والرزانة ، منطلقة بمشاكسة وانسيابية تؤديان إلى ابتكار الحالة ، حالة إنسان غارق في ضياء العشق وفي حيرة العاشق:

ناطرتك ..

مثل ما تنطر الوردة نداها

وانتِه مو كطرة نده وبس

انتِ نهرالروح ، تسكي الروح وتخفف ظماها

ناطرتك…… مثل ما تنطر الكاع المطر

روحي صبخة وانت غيمة شوك

تتباهى بنسايمها وهواها

حين تتعب الروح وتصطخب بالحزن والوجع وحين يثقل الرأس ويزدحم بالهم والأنين فما الذي يمكن فعله؟

وبالضبط كيف يصوغ الحلفي الجرح النازف من القلب والروح قصيدةً؟!!

إنه يدخل إلى باحة الحب المقدسة قلقاً وحائراً دون أن تُطفئ الحبيبة تساؤلاته المريرة :

أنتجمرة شوك بيدي

مَدري أذبها .مَدري أجوي سنيني بيها

مَدري أخلي العمر يتباهى بضواها

يا نبي موديك كلي؟

تكطع صيامي وآنا الحالف قسم

ما بدّل الجنة بسواها

وعن نوعية حضور المرأة في قصائده يقول الحلفي "منذ بدأت بكتابة الشعر مطلع السبعينات وحتى منتصف الثمانينات حين غادرت المشهد السياسي_التنظيمي، وكما اعتقد لست أنا الوحيد بين زملائي، الذي كان يخجل أن يكتب عن المرأة ،كامرأة من لحم ودم".  ويستطرد قائلاً" اكتشفت أن الكتابة عن المرأة وعن العشق وعن الحب وعن الجمال بمعانيها الإنسانية الأصيلة لا المسقطة على أي شيء آخر ، ليست شيئاً محرّماً أو مُعيباً ، بل إنه صلب الحياة وفي صلب العملية الإبداعية" الحلفي مثلما يؤكد لم يكتب عن المرأة وعشقها وجمالها وجسدها إلا بصورة غير محسوسة ، إذا كانت المرأة في قصائده معلقة في الأذهان وقادمة من عمق الأحلام:

تحلمتك ندى ورد عله اجروحي

وفزز كل مسامات الفرح بيهن

وتعلمتك..

تمر بيه

نسيم

أبيض

مر المستحة بعينك

خضار

الروح بين اجفونها شمدريك؟

وك

كل ما تصد ليه يطك بين الضلع زيتون

أما في قصائده المكتوبة في المنافي فالحلفي يخرج من إطار اللامحسوس واللامرئي  ويدخل إلى فسحة التعاطي مع المرأة كنبع لا بد من الإرتواء منه ، أي انه يُطلّق المرأة الموجودة في الأذهان ليأتي بغيرها واضعاً إياها على الأرض ، يحاورها، يناغيها، يغازلها ، يعاتبها ، يجاري دلالها ، غنجها ، يغرق في جمالها:

داويني يا صاحب جمبده وساهون

وطيورك زغيره ترف بلا جنحان

داويني داويني العشك هدني

وحلاتك ساحنه الروح

وطراوة شفتك ما ترحم التلفان

وك داويني يدافي من الثلج ومحيّر النهران

داويني أصيح من الجمر، والجمر كبلي

يصيح بردان!

بدأت غربته هناك ، في الوطن ، وفي المنافي تنمّرت مخالبها لتضفي على القلب مزيداً من التوجع والانكسار، هناك بدأ حريق الروح ، حيث الفقر والبيوت الطينية وحسرات الأمهات والتوجسات في عيون الطفولة التي شاخت مبكراً ، هناك حيث القهر والاستلاب والقمع وسوق النخاسة السياسية بيع فيها التاريخ والوجدان والمنطق واغتيل فيها الحلم النبيل بمسدس كاتم الصوت الذي وجّه رصاصته الأخيرة إلى الذين حشروا عقولهم داخل الكتب وبين الأمجاد الموهومة ، يحلمون بالدخول إلى الوطن عن طريق وبرفقة ذئاب النظام العالمي الجديد!!

ووسط تلك المجزرة ، مجزرة الإحباط والانكسار والتزوير والتدجين خرج وترعرع جيل الحلفي مثقل بركام الأحزان والأحلام المؤجلة ، جيل مبعثر ومتشتت وهذا ما يشير إليه الحلفي في لقائه مع جريدة " العراق الديمقراطي" إذ يقول: "فنحن  كما اعتقد جيل مدمي ، كل واحد منا يحمل على ظهره أثقالاً من الانكسارات والهزائم والآلام على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والعاطفية" ومن عذابات الوطن وفجائعية يومياته تبدأ أسفار غربة البعد الجغرافي:

لبس حزنه.. وتيمم بالشهادة وفارك البيت

تتبعه أمه بصلاة لعتبة الباب

تلفت بالدرب وتحاشى العيون

ولم بعضه عله بعضه وغاب

إن المنفى يراكم ويكثف حالة الحنين التي هي واحدة من مباعث الإبداع وهذا ما يؤكده الحلفي ، وهكذا تزخم حالة الحنين عنده تجربته الشعرية وتقودها إلى مستويات نفسية مختلفة وعلى طقوس متنوعة في تفصيلاتها وإيقاعاتها ، أي أن الحلفي لا ينزف حنينه عبر قناة واحدة ، فمرة يدفعه الحنين إلى التغني بالوطن ، مستبشراً إشراقه مجدداً:

لا بد بالعراق يخضر الحلاج لابد

لا بد بالعراق النار تاكل نار لا بد

لا بد بالعراق الدار تبني الدار لا بد

لا بد بالعراق

ومرة ثانية نرى حنينه يحاصره ويبث في روحه القلق والحيرة:

حاير..

دايرة الدنيا

وأنا وي الدنيا داير

مبحر..ومدري لوين يريد بيه الموج

دوختني الدواير

شايل شراعي مثل راية حزن

مركب بنص بحر ضايع

شايل شراعي وشواطيك بعيدة

ولاني رايح .. لاني راجع

وفي بعض الأحيان توصله حالة الحنين إلى إحساس مرير  وسوداوي وإلى انغلاق بوابة الأمل ، حيث النفور من كل الأشياء والتوقف عند قساوة الملل والتقوقع بين شباكه:

من ثكل الدمع بالعين.. مليت

ومن ثكل الحزن بالروح..مليت

ومن ثكل الذنب بالرأس..مليت

أيام عديت الك

وسنين عديت الك

وزلات عديت الك

وحطيتك ابروحي

يمزيد جروحي.. يا شمعة البيت

مليت.. مليت

ومن مظاهر التميز في القصيدة الشعبية العراقية امتلاكها تعددية الأصوات داخل بنيتها بالإضافة إلى الومضات الدرامية التي تحرك إيقاع القصيدة الجمالي والمعرفي وتضيف إليه زخماً إبداعيا ، الأمر الذي تجلى في  تجارب شعراء شعبيين عراقيين مثل: طارق ياسين ، مظفر النواب ، عريان السيد خلف ، عزيز السماوي ، رياض النعماني ، شاكر السماوي وفي بعض قصائد الحلفي وخاصة في قصيدة"حالة عامة" ، حيث البناء الدرامي لبنيتها وتداخل صوت الابن_ الشاعر مع صوت الأم:

نزع حزنه.. وتيمم بالمحبة وفارك الروح

وتذكر طيبة أمه وأهله والناس

وزهى بطبعه وصداقاته وصبر زاد

وقره تاريخ همه يشيّب الرأس

وقره حزنه عله كل حيطان بغداد

يبني.. يبني..الناس بيها الزين والشين

بيهم يشتري بدمه الصداقات

ويبهم يشتري بدمك نياشين

هذه الميّزة ، ميزة تعددية الأصوات  والومضة الدرامية تظهر في قصيدة " عبود" وإن تبدو غير مرئية بسبب طغيان صوت الرائي_ الشاعر، لكن الصور الشعرية فيها تتكون وتبنى عبر أسلوب درامي يؤرخ الأزمنة والأحداث والأمكنة والشخصيات ، ويقود إلى عمق فجائعية يوميات الإنسان العراقي الذي تكالبت عليه الكوارث والحروب والدكتاتورية:

وغفله.. غفله من الحجي

وغفله من البجي

وغفله من القهر والجوع والحرمان

كبرنا وكبرت الأيام

ورجع بينه الزمان لأول الميعاد

ومثل ما زاد فقرك..حزنك ازداد

صحيح  تغيرت بغداد لجن متغيّر الحكام

ومثل ما راح نوري جالها صدام.

الى الاعلى