شاعر بعذوبة الأرض، التي أورثته كل هذا الحنين. وبعذوبة كل هذه المحبة التي يحملها، وبمرارة الغربة، التي تمتد به منذ سنين ولا يملك حيالها سوى أن يصرخ عاليا  ـ ملّيت ـ وهو يسترجع رحلة "عبود" منذ غادر البلاد التي يحن إليها، متنقلاً برحلة عجائبية تتقاذفه المطارات.. والمحطات.. وكان "عبود" ويا لسخرية القدر، ليس أسمه إنما إلصق به وخُط بجواز سفره،  خشية أن يُكتشف أمره.. بينما إ سمه الحقيقي هو "جمعة"  أما عبود، هذا الاسم الذي اختاره مجبراً، من أجل الخلاص والعبور، فقد كان، كلما أوهنه الضعف والتعب، في رحلته تلك، ينساه إذا ما نودي به ويبقى بانتظار أن ينادى باسمه الحقيقي (جمعة الحلفي) لكن سرعان ما ينتبه ويتذكر أن أسمه قد أصبح "عبود" فيردد:

    طويله أيامنا.. كلّش طويله

    وحزينه أيامنا.. كلّش حزينه

    غبره أيامنا المرّت يعبود

    وغبره أيامنا اللتمر يعبود

    ومدري شضاملك دهرك يعبود

    وخلال أحدى زيارتي إلى الشام ، سألت عن الشاعر جمعة الحلفي، وكانت بيننا  "مودة سبقتنا إلى التعارف" وجمعتنا جلسة من تلك الجلسات، التي لا تنسى. وعندما جاء دور الشعر، لم يكن يضيء الشعر غير ضوء الشموع، وقد اعتاد الشاعر أن لا يقرأ شعره إلا على ضوئها.. وهكذا بدأ صوت جمعة الحلفي يترنم بقصائده وهو يعيدنا إلى جذورنا الأولى.. ناثراً المسك والحناء ورائحة الأمهات وجنوبنا الحزين وأحياء الفقراء والصرايف:

    وأحنه.. أحنه هـ.. ن..ا.. ك

    خلف السدة مطمورين

    كومة من الصرايف والبشر والطين

    مهمومين جنه من العطش والجوع

    بشر… لكن بشر من غير نوع..

    كان الشعر على أشده عذوبة.. وصوت جمعة الحلفي يأتي متهدجاً بالعبرات دافئاً، وكنتُ احبس أنفاسي خشية أن تؤثر على إيقاعاته الساحرة وهو يردد بغناء جنوبي بعض مقاطع قصائده التي (غالباً ما يضمنها مقاطع غنائية) حيث يأخذك الشاعر جمعة الحلفي بعيداً برحلة عجيبة ومركبة من الشعر والغناء والحزن العميق على ضوء الشموع، وكأنك في معبد يعج وتعج روحك فيه بالتراتيل والتحليق في البعيد مازجاً، في قصائده، الأماكن والأزمنة، الواقع والحلم، المفردة الجنوبية واستخدامها من قبل شاعر شعبي مثقف من جيل طور في القصيدة الشعبية وحملّها بثقافته وأضاف لها الكثير، هذه القصيدة المتمردة الثائرة ضد الطغيان والتي لا ترتمي بأحضان الدكتاتورية والسلاطين والتي ترسم لنا العراق:

    لابد بالعراق يخضّر الحلاج لا بد

    لا بد بالعراق النار تآكل نار لا بد

    لا بد بالعراق الدار تبني الدار لا بد

    لا بد بالعراق…

    ·   ملّيت.. هو عنوان المجموعة الشعرية الثانية للشاعر جمعة الحلفي و"عبود" واحدة من قصائد المجموعة.

    ·   مسرحي عراقي

الى الاعلى