- 1 -

حين يشتد بؤس الحاضر ويتفاقم، تبدو العودة إلى الماضي مغرية، بل إن بؤس الحاضر هذا يدعونا، على الدوام، إلى تأمل الماضي ورؤيته بعين نقدية وبروح موضوعية، لأن من يطمح إلى جعل المستقبل حقلاً مزهراً، عليه أولاً أن يشذب شجرة الماضي مما علق بها، ذلك أن الماضي (التاريخ ـ التراث) كان ولا يزال عرضة للإغراض والأهواء السياسية والمصلحية وللنوازع الفردية والأنانية، فضلاً عن سوء الفهم والتحجر والتعصب وكل أشكال التخلف. بعبارة أخرى كان علينا ولا يزال أن لا نجعل من الماضي مجرد (حائط مبكى) نتعبد ونتأسى تحت ترابه التليد، مثلما كان علينا أن لا نصنع من أحجاره أصناماً جديدة نتفيأ تحت ظلالها و... كفى الله المؤمنين شر القتال!

ليست هذه صرخة بوجه الماضي، بل هي صرخة من أجل هذا الماضي، من أجل الايجابي والعادل والصائب والمضيء فيه، من أجل أن نراه جيداً، بعيداً عن عمى الألوان وعمى التعصب والفئوية، من أجل أن نقرأه بوصفه درساً بليغاً ومجيداً لا باعتباره قصصاً للتسالي والتعالي الفارغ، من أجل أن نستفيد من عبره ونوظف دروسه، فالماضي بعض من زادنا اليومي لكن بعض هذا الزاد تعفن ولم يعد صالحاً للإستخدام في عصرنا الراهن. الماضي عجلة مجربة يجب أن تساعدنا في الوصول إلى المستقبل لا أن تعيقنا أو تعيدنا إلى الحضيض.

لكن أين هو المستقبل؟ هل هو في الآتي من الأيام والسنوات المقبلة حقاً، وكما نعتقد ذلك؟ أم هو الآن وفي هذه اللحظة بالذات؟ هل هو ما يصنعنا أو ما نصنعه؟ من يتصور أن المستقبل غداً لن يحظى به على الإطلاق، فالمستقبل الآن وهنا بالذات حيث نقف وحيث نحيا، ومن ليس له مستقبل ليس له ماضٍ، لا العكس... نعم هكذا يجب أن نردد مع أنفسنا، فالماضي الذي نتغنى به، منذ قرون وحتى اليوم، ليس ماضينا نحن أبداً، إنه مستقبل أجدادنا القدماء، أما ماضينا الحقيقي فهو ذلك الذي يجب أن يتغنى به أحفادنا غداً، إنه بعبارة أدق، يومنا الحاضر.. مستقبلنا الذي يجب أن لا نؤجله إلى الغد، وأن لا نضيع لحظة في إشادة ركائزه. فكيف يجب أن

الصفحة التالية