منذ انتصار الثورة الفرنسية الكبرى 1793 وحتى اليوم، تـُقرن شعارات العدالة والحرية والمساواة، التي قامت عليها الثورة، بأسماء مثقفي ذلك العصر: مونتسكيو، فولتير، روسو...الخ، وهو ما يدل دلالة قاطعة، على قوة صوت المثقف وتأثير هذا الصوت في مجمل حركة التاريخ.

    وفي حياة شعوب كثيرة لعب المثـقفون أدواراً متميزة وطليعية في نضالات شعوبهم من أجل التحرر والإنعتاق والحرية، وفي رسم مستقبل بلدانهم. ولم يسجل التاريخ يوماً، دوراً تنويرياً وريادياً لمثقف ما، اكتفى بما يبدع وقبع في الزوايا القصية يتفرج على مجريات أحداث عاصفة في حياة شعبه، أو أنه ظل ينتظر انقشاع غبار تلك الأحداث ليظهر أخيراً كي يلعب دوره المأمول، فحينذاك ستكون ستائر المسرح قد أسدلت وذهب الممثلون والنظارة كل إلى حال سبيله.  وإذا كانت هناك من مزيّة، أو ذكرى عطرة جعلت من أسماء مثقفين ومفكرين، من أمثال الكواكبي ومحمد عبده وقاسم أمين وسلامة موسى وطه حسين والأفغاني وسواهم، حاضرة وفاعلة حتى اليوم في حياتنا الثقافية والاجتماعية، فهي لأنهم لعبوا  أدواراً تنويرية متميزة ومتلازمة مع إبداعهم الفكري والثقافي، في حياة شعوبهم جعلت من أسمائهم علامات شاخصة في سياق حركة النهضة العربية.

     وفي ظرفنا (العراقي) الراهن، حيث يتبارى الجميع في لعب أدوارهم على مسرح الأحداث لرسم مستقبل العراق وتقرير مصير شعبه، لا يلحظ، في واقع الحال وللأسف الشديد، سوى غياب المثقف العراقي ودوره الريادي ومساهمته المطلوبة، وكأن حضور هذا المثقف (مع بعض الاستثناءات بالطبع)  بات مقصوراً على ميدان الثقافة وإنتاج الإبداع، فيما شؤون الحياة الأخرى بكل تنوعاتها وميادينها وحراكها، ليست من اختصاصه أو من اهتمامه، الأمر الذي سيكرس حالة إقصاء المثقف عن مؤسسات المجتمع وعن دوائر صنع القرار، وهي الحالة التي أسس لها النظام السابق وظلت سائدة طوال العقود الماضية.

    ليس المقصود هنا بطبيعة الحال، دعوة المثقف لأن يزج بنفسه في قلب التطورات والمماحكات والمجريات اليومية، ولا أن ينافس السياسيين على أدوارهم، أو الأختصاصيين على اختصاصاتهم، بل المقصود هو أن يكون حاضراً في قلب المشهد، دوراً وموقفاً ومكانة ورأياً يحسب له الحساب، إذ ليس من المنطقي ولا من المقبول أن تبادر مختلف قطاعات وفعاليات المجتمع لتنظيم نفسها في أطر وتجمعات ومؤتمرات، وأن تدلي بدلوها في كل صغيرة وكبيرة، وأن تسُمع رأيها وتسجل موقفها، فيما المثقفون، فرادى وجماعات، تتناثرهم المنافي والهموم الخاصة والشخصية، أو تستنزفهم الجرائد والمطبوعات المحلية، أو تتناهبهم مشاغل البحث عن أدوار صغيرة وعن لقمة العيش والأمان.

    أن مشكلة المثقف العراقي محيرة حقاً، فهو، في صورة من صوره، أما أن يغرق في السياسة حتى أذنيه ويترك جانباً كل ماله صلة بإبداعه الثقافي وبدوره المعرفي والتنويري، وإما أن يبقى على هامش الأحداث متفرجاً لا يتدخل في واردة ولا شاردة. ولهذا فهو، في الحالتين، لا يستطيع أن يمسك  أو يحتفظ  بدوره كمبدع، ولا أن يؤدي هذا الدور كمثقف معني بالمتغيرات الحياتية والمصيرية من حوله، عنايته بمتغيرات نصه الإبداعي ودور وأثر هذا النص معرفياً وجمالياً. ولهذا أيضاً فهو، على الدوام، يجد نفسه في موضع الازدراء من جانب السياسي، في المرة الأولى لأنه متطفل لا يقوى على منافسة هذا السياسي، الأقوى منه حنكة ومعرفة في أسرار المهنة، والأكثر منه دراية  بتفاصيل المشهد وخباياه وما يتطلبه من ألاعيب وإمكانيات، وفي المرة الثانية لأنه متعفف ومستنكف ومعزول عن المجريات اليومية، التي تستوجب الحضور والتفاعل، فكيف ومتى سيخرج المثقف العراقي من عنق الزجاجة؟

الى الاعلى