بين إصداره الأول "ساعة ويذبل الزيتون" بغداد (1976) ومجموعته الجديدة، الثالثة "عطر الغايب" دمشق 2001 مسافة زمنية طويلة نسبياً، اشتغل فيها الشاعر جمعة الحلفي، كما هو واضح في إصداره الأخير، على إعادة صياغة أدواته الفنية وتجذير تجربته الشعرية، على نحو انصهرت فيه هموم المنفى وتداعيات الغياب عن الوطن (كموضوعات أثيرة للكتابة الشعرية) بأسلوب إبداعي غاية في الشفافية والرقة، ليجعل من نصه الجديد علامة على نضوج حركة تجديدية في الشعر الشعبي العراقي.

    وإذا ما سلمنا بمنطق أو نظرية (سطوة المكان) فإننا سنجد الحلفي وقد رسم منحى مغايراً لمنجزه الشعري، يتسق ويفترق، في الآن ذاته، مع هذه السطوة، وهو منحى مختلف تمام الاختلاف عن سياق نصه في مجموعته الأولى، وحتى الثانية، سواء من حيث شفافية ونقاء المفردة ودرجة قربها من الذائقة الشعرية العربية، فضلاً عن دلالاتها الثقافية، أو من حيث عمق وجمالية الصورة المرسومة بظلالها. وفي الواقع لم يفاجئنا الحلفي بهذه الانتقالة في تجربته الشعرية، إذ سبق له وأن أسس لمناخاتها وأجوائها في مجموعته السابقة (مليت / بيروت 1993) والتي وجدت في (عطر الغايب) صورتها الأكثر نضوجاً ووضوحاً، حيث تلامس القصائد الجديدة هموم وعوالم الروح، ومنابع الجمال والتصوف، وهو بذلك ينأى، وبمسافات شاسعة، عن تلك الصورة القديمة للقصيدة الشعبية وسطحية موضوعاتها. لهذا يمكننا القول، دون مبالغة، إن (عطر الغايب) تشكل مساراً جديداً في سياق القصيدة الشعبية العراقية عموماً، يمكن، من خلال قراءة متأنية فيها، تشخيص ملامحها في النقاط التالية:

    ـ يؤسس الحلفي، في مجموعته الجديدة، لكتابة شعبية عراقية ـ عربية. بمعنى أنه يغادر سقف الموروث القديم من المفردات الغارقة في عاميتها وجنوبيتها، لكن من دون أن يقطع الوشائج مع روحية تلك المفردة ومحمولاتها الرمزية من حيث البلاغة الشعبية والإيحاءات الداخلية العميقة، وبهذا يكون الحلفي قد عبّد طريقاً ليس بالسهل، للمفردة الشعبية العراقية وقرّبها، بأقصى ما يمكن، من ذائقة القراء العرب، بواسطة تمدينها أو (تفصيحها) إن صح التعبير، دون أن تفقد شيئاً من زخمها الدلالي:

     

    هذا البحر مو بحر.. هذا دمّي المسفوح

    وهذي السفن مو سفن.. هذي مراكب نوح

    دم اهلي هذا البحر

    من نينوى... من أكد

    من أور من آشور

    من أول التاريخ لليوم

    دم اهلي مهدور.

     

    ـ يبتعد الحلفي، في (عطر الغايب) عن المشهدية الصورية التقليدية للنص الشعبي السائد، مؤسساً، في مقابل ذلك، لنص مغاير في موضوعته، أنيق في شكله الغني ومليء بالصور البلاغية المدهشة. نص مفتوح على العوالم الروحية والجمالية المفعمة بالرهافة، والتي تلامس، بانسياب وخفر، العذابات والهموم، دون أن تتخم المسامع بالنواح والندب:

     

    من اذكر اسمك... چنها خفگة جنح روحي

    مسافة حزن وأنت بعيد

    وآنه بلايا شي مستكثر جروحي

    عيدية عُمر ردتك تجيني يوم

    عيدية چذب واصبر

    صفگة باب وأقبل وانت ما چنك

    خل ياكل بروحي سؤالك منجل مجانين

    ترى گليبي بغيابك باب ومزنجر.

     

    ـ هناك شكل إيقاعي متميز في غالبية قصائد المجموعة، إذ لا صخب لموسيقى خارجية، لكن رنين ذلك الإيقاع الخافت، الممزوج بدلالات المفردة وإيماءاتها، واضح المعالم ويكاد يطبع معظم النصوص ببصمة خاصة متوافقة ومتماهية تماماً مع انشغالات الحلفي بأسلوبه أو (حداثة قصيدته) ذلك أن القصائد هنا (على غير ما عودتنا القصيدة الشعبية) لا تحمل طابعاً درامياً يبدأ بالمقدمة والعقدة وينتهي بالرثاء والبكائية، بل هي متخففة من ذلك كله، خالية من الزوائد والحشو، ومراوغة الوقوع في فخ الاسترسال الممل، لهذا تأتي قصائده منحوتة بإحكام ومشغولة بأسلوب تصويري دقيق، لتشغل حيزاً بسيطاً على الورق لكنه واسع في أبعاده وإيحاءاته الرمزية والجمالية:

     

    ليله... گلت تعود إلي وتانيت

    حنيت بيباني وزرعت اللوز بالعتبة

    وشعلت شموع وتوضيت...

    گلت... أصلّيلك فرض ...

    لوجيت.

     

    ـ فضلا عن هذا، تمتاز قصائد الحلفي بغوصها في أعماق الروح الإنسانية، فهي محملة بتلك الهموم والتساؤلات المشرعة على الوجود الإنساني بقلقه وأحزانه وانتظاراته، لكنها مكتوبة بتلك الشفافية، التي تطبع نصه، إذ حتى في تعقبه لخيط الدم المسفوح من جراح أهلنا في العراق، يصوغ الحلفي قصيدة غاية في الرهافة تشبه رهافة الأغنية الفيروزية في حزنها الدفين وغير المباشر:

     

    مسه الخير إعلى بغداد

    مسه الخير على شباچ بالبصرة

    على صحن الإمام بكربلا

    عالگبة والحضره

    مسه الخير... على عتبة بشمال الورد

    على أبونا الفرات وطينته ودهلة.

    أو في مثال آخر:

    يا بحر... جاي أصليلك وصوم

    جاي من غبرة حروب وظلم حكام

    جاي أحط راسي إعله صدرك

    وأغفى ساعة من الهموم.

     

    أخيراً لا بد من التنويه بقصيدتي (عطر الغايب) و (الفراشة والطفل) لما تحملان من مشهدية تشكيلية رائعة في بنائهما الفني وفي موضوعتهما الإنسانية الرقيقة، حتى يبدو للقارئ وكأنه أمام لوحة، خط الحلفي فيها، أنقى ألوانه ومباهجه ولوعته، بكل حرفة ووعي ثقافي، وهما تشكلان مع بقية النصوص، ملامح حقيقية لحركة تجديد يمكن أن تخرج بالشعر الشعبي العراقي نحو آفاق الشعرية الحديثة.

    في قصيدة "عطر الغايب" يقول:

     

    عطرك أسمك

    خصرك العنوان والتيجان صرتك

    جنة بخور وشمع وآنه درويش بحضرتك

    حسنك؟

    حسنك يتلوه صلاتي ونومي حيره

    مراية أشوفن بيك عمري

    مدري انته الچنت أشوفك

    مدري هذياني اليرسمك!

     

    وفي الفراشة والطفل:

     

    تذكرين؟

    تذكرين شلون من نزلن النجمات يمنه؟

    چنّه ملتفتين مدري لوين

    من ذاك الطفل طيّر فراشاته بوجهنا

    تذكرين من رسمنا الغيمه عالشباچ؟

    چنّه ملتفتين مدري الوين من مطرت علينا

    وساحت الألوان كلها عله الچراچف

    كلشي بالغرفه أنصبغ باللون الأحمر

    ثيابنا والباب وفراشات الطفل والحچي البينه.

    الى الاعلى