حسن سليفاني - رئيس اتحاد الأدباء الكورد/ دهوك

    فرح نيروزي كان يغزو خلايا دمي، وأنا أتابع قراءة هذا النص الأدبي الإبداعي الجميل (مسار السنونو) هذا النص الذي احتلني كلياً وغيبني عن ما حولي وشدني بقوة إلى صفحاته وأحداثه الإنسانية وصور القسوة المتناهية والكبرياء الكوردي، الذي لا يرضى إلا بالحرية والعيش بسلام ولو كان الثمن بحاراً من الدماء...

    في هذا النص الأخاذ استطاع الكاتب المبدع جمعة الحلفي أن يقترب من صميم القائد الكوردي الرمز ـ الملاّ مصطفى البارزاني ـ ونضاله المستميت من أجل عزة الأكراد وبناء غدهم المشرق، خاصة في تلك الفترة الحساسة جداً من نضال الشعب الكوردي والمتمثلة في حقبة انهيار جمهورية كوردستان في مهاباد، ومحاولة القضاء كلياً على رموز الجمهورية وكسر شوكتهم من قبل سلطات شاه إيران، حيث يتصدى لها البارزاني الخالد ببيشمركَته البارزانيين الأبطال، الذين كانوا سند الجمهورية في مهاباد. والبارزاني الخالد، الذي اشتهر بإنسانيته وعبقريته العسكرية، يقاوم جيوش الشاه ويقرر إنقاذ بيشمركته ويتجه بهم صوب أراضي الروس، في ظل ظروف دولية شائكة. وهنا يأتي دور الكاتب المبدع جمعة الحلفي ، الذي يعود بالزمن إلى الوراء ليستحضر تلك الأيام الرهيبة والعصيبة من حياة الكورد وقائدهم الفذ البارزاني، وليؤكد سلامة قراره التاريخي بالانسحاب، ومواقفه الإنسانية وعلاقاته الطيبة مع رفاق رحلته..

    والكاتب جمعة الحلفي، في نصه الإبداعي "مسار السنونو" الذي يعتمد على حادثة تاريخية، يسمح لخياله الخصب بالتحليق وخلق صور وأحداث فانتازية هادئة تضيف للواقعة التاريخية رتوشاً أدبية لتؤكد قوة قلم الحلفي في المزاوجة بين الواقع والخيال الفني المطلوب في مثل هذه الأعمال.

    وفي نصه هذا يؤكد الحلفي نبذ البارزاني للإرهاب بكل أشكاله والذي أصبح دستوراً مقدساً التزمت به الحركة التحررية الكوردية منذ بداياتها الأولى والى اليوم، مما يدل على عظمة البارزاني ونهجه القومي التقدمي السليم في النضال ورفضه التام لكل أشكال الإرهاب والعنف.

    أن يتناول كاتب عربي القضية الكوردية من النواحي السياسية أو الاجتماعية أو التاريخية، أمر طبيعي لكن عندما يتناول الكاتب العربي هذه القضية من الناحية الفنية فيكتب نصاً إبداعيا يؤرخ لمرحلة من مراحل النضال الكوردي، فهذا أمر نادر ومدعاة لقراءة خارج السياق التقليدي لعلاقة الكاتب والباحث بموضوعة البحث أو التحليل، ذلك ان مثل هذه الكتابة (الإبداعية) تؤكد جملة من الحقائق التي غيبها التطاحن السياسي وانتشار الروح العصبوية القومية. ومن هذه الحقائق ان المبدع الأصيل، لأية قومية انتمي، يظل "مبدعاً" يتمتع بحس إنساني تمليه عليه عملية الإبداع نفسها بوصفها صيرورة أخلاقية ونفسية بدئية وصادقة.  كما تعني أيضاً، إن نضال الشعوب والقوميات من أجل تحررها وأنعتاقها هو نضال مشترك ومشروع ويحظى دائماً بأنصاره المدافعين عنه، حتى بين القوميات الكبيرة صاحبة الباع في اضطهاد القوميات الأصغر.  وهو يعني أيضاً إن النخبة المثقفة والمبدعة، تتمتع بقدر كبير من استقلالية الرؤيا خارج نطاق القيود التي تفرضها الانتماءات والأثنيات والأفكار المتعصبة، وهو حس يرتقي في معانيه إلى ذرى التوحد مع الهم الإنساني. وفي الحالة العراقية يكتسب الأمر أهمية إضافية فبعد سلسلة من مرارات الاضطهاد والصراع وعقود من النكبات والكوارث، يبدو واجب إعادة اللحمة وترميم ما تهدم في العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين (العربي والكوردي) واجباً أخلاقياً وإنسانياً قبل أن يكون واجباً سياسياً، وهو ما يفترض بالمثقفين والمبدعين من الجانبين لعب دورهم المأمول والحيوي في هذا الشأن وجمعة الحلفي، بحسه المرهف، يستحق منا نحن الكورد كل الشكر والثناء والمحبة، في خطوته الأولى في هذا المجال.

    مسار السنونو/ أو رجل من زمن البطولات
    المؤلف: جمعة الحلفي
    الناشر: دار الكنوز الأدبية / بيروت
    الطبعة الأولى 2003