المثقف، وحده، من يمتلك الحقيقة… هكذا يعتقد المثقف، وهكذا صرنا، أو صُيرنا نعتقد، تبعاً لرسوخية هذا الوهم. وفي الوقت ذاته المثقف هو الضحية، وهذا اعتقاد آخر أكثر رسوخاً، فهو ضحية السلطة، التي تريد استخدامه واستنزافه. وهو ضحية السياسي، الذي يريد تهميشه واستلابه. وهو ضحية المجتمع، الذي لا يقيّم دوره كما يجب ويستحق. وفي المحصلة سيبدو المثقف مالكاً لقطبي المعادلة الكونية: بوصفه صاحب رسالة، من جهة، وبوصفه الضحية المقموع عن أداء رسالته، من جهة ثانية. وتبعاً لهذا، فهو يؤمن، وعلى الآخرين أن يتبعوه في الإيمان، بمهمته الرسالية، وبمشروعية دوره وبطهرية وقدسية أضحويته، وتالياً بحقه في الاستعلاء وإتخام الذات بالنرجسية.

    وفي تفصيل ما يجب تفصيله، سنرى أن المثقف يتعامل مع المجتمع كمسؤول عن القيم والمقدسات، وكمدافع عن الهوية والثقافة واللغة والذاكرة، وكمناصر للمقموعين والمقهورين، وكداعية للحرية والتحضر والمدنية، وكمساهم أصيل في تأسيس المستقبل، الذي بدونه، لن تقوم لهذا المستقبل قائمة. وفي تلافيف هذا الادعاء الطويل العريض، يعلن المثقف دائماً وأبدا أنه ضد السلطة السياسية ومغرياتها، وهو غريم للسياسي، وهو باحث دءوب عن سبل الخلاص وعن الحقيقة وعن جمالية العالم وعن المساواة بين كائنات هذا العالم. وإذا أردنا اختصار المعنى فالمثقف، كما يرى ويعتقد ويريد الإيحاء، هو نصف إله لا أقل من ذلك! لكن ماذا عن الحقيقة خارج وهم المثقف؟

    بداية لابد من معرفة حقيقة الحجاب في خطاب المثقف، فالخطاب (أي خطاب) يحمل في طياته وهم المماهات والتطابق مع الواقع. أي الاعتقاد بأن المقولات والشعارات يمكن دمجها في تلافيف اليومي المعاش بما يجعلها جزءاً منه، وهذا الوهم الذي تجسد مراراً وتكراراً بوصفه مجرد وهم، لا يزال يغري المثقف ويزخرف خطابه. ومن يجرؤ على التلصص خلف ذلك الحجاب، سيكتشف بؤرة غريبة من المتناقضات والمزاعم والترهات، التي لا يجرؤ المثقف نفسه على النظر إليها.

    وفي تفصيل التفصيل سنرى، خارج وهم المثقف وخطابه، وبعيداً عما يصرّح به مضمون نصه الفكري ـ الإبداعي، أن هناك حقيقة أخرى مركونة جانباً، تكشف عن أن المثقف يصارع السلطة لكن على مشروعية سلطته هو، أي على احتكار الحق في قول ما يراه هو، حقيقياً وصائباً وجائزاً. وهو يرفض مغريات هذه السلطة فقط عندما تنزع عنه هالة القدسية والتعالي وتُعامله مثل أصحاب المهن الأخرى. وهو ينازع السياسي لأنه لا يستطيع أن يسرق، أو يلعب دوره الاجتماعي. وهو يتخلى عن وهم الأفكار والمشاريع الكبرى، فقط، عندما تبدو أضحوكة عند العامة. ولهذا، وإجمالا، لا يمكننا رؤية ما يرتقي ولو بنسبة ضئيلة، لأوهام مثقفينا عن أنفسهم وعن أدوارهم المزعومة، في تغيير العالم وفي إنزال الجنة الى الأرض، وفي النزوع الى الحرية وديمقراطية الفكر والرأي. بل إننا نرى، بكل حسرة وأسف، الى علاقات استعلائية وسلطوية وصراعية، تحاول إلغاء الآخر وتبخيس جهده والتقليل من شأنه. ومع هذا يظل المثقف يدّعي الكفاحية والتضحوية والنزاهة والديمقراطية.. وكل ماله صلة بنصف الإله المزعوم!

الى الاعلى