كلما قرأت مقالاً للشاعر الكبير سعدي يوسف أمسكت قلبي بيدي حتى فرغت من القراءة.  ومع أنني لست معنياً بالشأن الذي يتناوله الأستاذ سعدي في مقالاته النارية، فلا أنا من جماعة الاحتلال ولا أنا من جماعة المقاومة، لكنني، مع ذلك، أتوجس خيفة من أن أجد أسمي محشوراً يوماً ما في واحدة من لوائح الاتهام أو بيانات التخوين، التي يطلقها أبو حيدر في فضاء لندن الملبد بالغيوم والضباب.

    ومن كثرة ما يرد، في مقالاته تلك، من عبارات غامضة ومفخخة، من قبيـل "أحتفظُ بالأسماء"  أو " سأذكر الأسماء لاحقاً"  صرت أشعر بالرعب وأنا أقرأ  له تلك المقالات، ولسان حالي يردد سؤال الفنان عادل إمام، في مسرحيته الشهيرة  شاهد ماشافش حاجة: أنا اسمي مكتوب؟

    لذلك ترددت كثيراً قبل أن أقدم على كتابة هذه المادة، شعوراً مني بإن مناقشة الأستاذ سعدي، في مثل هذه الظروف والأحوال، قد تكون محفوفة بالمخاطر، أو هي تشبه السير في حقل ألغام. لكنني، وعلى طريقة مهراجات الهند، ركبت فيلي الضخم ورحت أتوغل في الأدغال.

    بداية أقول لو أنصت المرء جيداً لمنلوغاته الداخلية اليومية لوجد فيها حواراً قد لا يقبله مع الآخر أو من الآخر ( والآخر هنا، كي لا يلتبس المعنى، أي آخر كان) فالإنسان مختلف في ذاته ومع ذاته، وهو دائم السؤال ودائم البحث عن أجوبة وعن حلول وعن توصلات، فكيف به مع الآخر، أو ما أجدى حواره مع الآخر؟

    ليست هذه فذلكة شخصية بل هي درس حقيقي علينا جميعاً تأمله على الدوام، بعد هذه التجربة المريرة التي عاشتها وتعيشها بلادنا، كي نصل إلى تلك الخلاصة السديدة القائلة بإن المرء لا يستكمل سويته الإنسانية إلا بالحوار مع الآخر، فالإيمان بأهمية الحوار هو الإيمان بأهمية من نحاور، وبأهمية أن يرتقي الإنسان بمعرفته وبصوابه المفترض أو المزعوم، وبأهمية رأيه وبصدقية هذا الرأي.  ثم أن الحوار سيكون نافعاً وحضارياً وضرورياً، فقط عندما يستهدف تقويم موضوعته، أي موضوعة الحوار، واغنائها وتصويبها. وسيفقد هذه السوية لحظة خروجه عن هدفه، أو لحظة استهدافه شخص المحاور، أي عندما يتخلى عن موضوعة الحوار إلى موضوع المحاور. أما إذا كنا نعتقد أن المعني أو المعنيين بالأمر هم مجرد نكرات أو ( من جماعة العشرة آلاف دولار!) فلا ضرورة أصلاً لمثل هذا الحوار معهم.

    انطلاقاً من هذه القاعدة البدهية نفترض أن المشكلات المطروحة على بساط البحث، وخاصة بين المثقفين العراقيين، هي مشكلات من العيار الثقيل والخطير وبالتالي فهي تستوجب حواراً من هذا العيار يرتقي بموضوعه إلى مستوى الخطر نفسه.  بعبارة أخرى أكثر وضوحاً أن قضية مثل الموقف من الاحتلال، وبالتحديد موقف المثقفين من هذا الاحتلال، هي واحدة من القضايا الكبرى الشائكة التي تواجهنا جميعاً، والتي تستوجب وتستحق منا حواراً عميقاً ودؤوباً يخوض في طبيعتها واشكاليتها وأسبابها ومؤثراتها ونتائجها. ذلك أن حدث الإحتلال، الذي نشهد تجلياته اليوم، هو حدث مركب بتعقيداته ووقائعه ومسبباته، ولا يمكن أن تفسره أو تختصره لنا البيانات والشعارات النارية، مثلما لا يمكن أن نستله من بين ركام الأحداث والوقائع التاريخية، كقرينة وحيدة على تردي الأوضاع السياسية في بلادنا وبلوغها الحال المأسوية الراهنة.

    ففي واقع الحال نحن لا نملك سوى القليل من الأمثلة التاريخية، التي يمكننا الاستعانة بها على رؤية مشهد الحدث، الذي تعيشه بلادنا، منذ انهيار النظام الديكتاتوري في التاسع من نيسان (أبريل) ودخول القوات الأميركية إلى بغداد وحتى اليوم، رؤية شاملة وموضوعية، ذلك أن واقعة الاحتلال على أنقاض نظام فاق في دمويته وظلاميته حدود الممكن والمتخيل، هي سابقة تكاد أن تكون فريدة في مكوناتها وملابساتها، إذا ما قورنت بوقائع الحروب والاحتلالات المشؤومة والمدونة تاريخياً.  ففي تاريخ الشعوب، التي خضعت للاحتلال الأجنبي في العصر الحديث، باستثناء مثال ألمانيا وملابساتـه، ليس هناك سوى أمثولة واحدة ومتكررة هي الاحتلال- المقاومة، وما يتفرع عن هذه الأمثولة من سياقات استعباد وإذلال، في مقابل أنماط حياة يومية ونضالات وتضحيات وأدب وثقافة هي، في المحصلة النهائية، المسوغ الأخلاقي  والقرينة التاريخية على حيوية تلك الشعوب، كما على توقها للتحرر والانعتاق. الأمر جعل من فعل مقاومة الاحتلال نظيراً أو لصيقاً بفعل الحرية، مثلما جعل من الاحتلال نفسه ملازماً لفعل العبودية والاستلاب. فالاحتلال، في نهاية المطاف، نقيض الحرية حيث لا يمكن الجمع بين الاحتلال والحرية تحت سقف واحد.

     لكن في مثالنا العراقي، الفريد والاستثنائي، هناك ما أضفي طابعاً قدرياً أو دراماتيكياً، على طبيعة حدث الاحتلال وبالتالي على طبيعة الموقف منه. فالتوق إلى الانعتاق والحرية من مظالم النظام ومن سياسات الاستعباد والإذلال، كان توقاً سابقاً على حدث الاحتلال نفسه، بسبب الطبيعة الدموية (الاحتلالية!) لنظام الحكم السابق. وإذا ما نظرنا إلى الوراء سنجد أن حقبة  حكم صدام حسين إنما هي حقبة سوداء تنتمي للخرافة أكثر مما تنتمي للتاريخ. لأنها فصل شاذ وشائن في التاريخ السياسي العراقي برمته. هذا فضلاً عن أن سياسات هذا النظام ومغامراته العسكرية الرعناء هي التي تسببت، بالدرجة الأولى، في تهيئة الظروف والعوامل الخارجية والداخلية لوقوع الاحتلال. لهذا فإن ردود الفعل على الاحتلال، سواء القبول به مؤقتاً، أو ممالئته لغرض سياسي محدد، أو التعاطي معه بهذا الشكل أو ذاك، ومن جانب شرائح وقوى سياسية واجتماعية كبيرة، كما هو الحال في الواقع، هي موضوعة جديدة نوعياً مثلما هي مشكلة شائكة وغير مسبوقة، يجب البحث في أصولها وطبيعتها ومسبباتها بحثاً عميقاً وتاريخياً، لا يتوقف عند البدهيات والسطحيات في التحليل ولا يقتصر على استدعاء الأمثلة التاريخية التقليدية على عواهنها. لهذا لا يجب، بتقديرنا، أن نبتسر الأمر على طريقة الابتسار الشعبي لقصة النبي يوسف، ولا أن نكتفي بهتافنا العتيد (عليهم ياعرب) كي نحجز مقصورتنا، لمشاهدة هذا الفيلم المأسوي الطويل، من شرفة المقاومة المزعومة. ولا كذلك أن نختصر دورنا الثقافي ـ المعرفي المستقبلي، في حل مشكلات بلادنا، بمقالات طيارة نكتبها في صخب المناكدات ونوزع فيها الشتائم والاتهامات كما توزع كؤوس الخمرة في آخر الليل. إن ما نحتاجه اليوم، باختصار شديد، نوعاً آخر من الحوار أكثر ديمقراطية وعمقاً وحضارية، يفضي بنا إلى شواطيء الأمان ولا يعيدنا إلى مستنقعات الاستبداد وكم الأفواه. 

    لذلك نقول: إذا كان لا يسع المرء، ولا يسعنا بطبيعة الحال، إلا أن نقدر تمام التقدير، حماسة المثقف في الدفاع عن صفاء ونقاء الموقف الوطني، وشجاعته في الذود عن المباديء الأخلاقية والقيم الوطنية النبيلة، وهذا، كما نعتقد، ما يهدف إليه الأستاذ سعدي يوسف، لكننا، نعتقد أيضا، أن هذه الحماسة أو هذه الشجاعة لن تفقد شيئاً من حرارتها ومن قيمتها وأهميتها، إذا ما وردت مورد الهدوء والموضوعية وابتغت الحوار المسؤول والعميق، الذي يستهدف التقويم والاستشراف، ويتوخى الدقة وينصرف عن سبة الظن بالناس واتهامهم على الشبهات. ذلك أن عواقب العودة بنا، بعد رحيل نظام صدام حسين، إلى جو الوشايات والتخوين والدسيسة، هي عواقب وخيمة ستحرمنا، مرة أخرى، وإلى أجل غير مسمى، من فرصة إعادة  بناء حياتنا الاجتماعية ـ الثقافية على أسس جديدة  وعلى قاعدة حرية الرأي واحترام الآخر، والاحتكام لمبدأ النقد والحوار السليم والموضوعي.

    إن ما نتعشمه في مثقف كبير، مثل سعدي يوسف، أكبر بكثير من هذه المناوشات التي تستهدف هذا أو ذاك من نظرائه، الذين سلكوا سبيلاً متعجلاً أو غير سليم في تعاملهم مع التطورات في العراق، بما في ذلك أولئك الذين ذهبوا مذهباً مشيناً ولا يليق بتاريخهم السياسي والثقافي، في هذا التعامل. فهؤلاء، شئنا أم أبينا، جزء من شريحة واسعة الطيف، ترى في التعاطي مع الاحتلال، أو في ممالئته، أو في التريث عن مقاومته، في الظرف الملموس الراهن، غير ما يراه الأستاذ سعدي وسواه، ممن لا يريدون رؤية الواقع كما هو، ولا  يريدون التزحزح عن منطق الثنائية المسيطر على عقولنا، حيث لا أسود بدون الأبيض، ولا علماني بدون الإسلامي، ولا شيوعي بدون  البعثي، ولا احتلال بدون المقاومة. إن نظرة أخرى، أكثر عمقاً وموضوعية وعلمية، مع شيء من هدوء الأعصاب في التحليل، تؤكد لنا  إن الاحتلال هو واحد من تحديات كبيرة وكثيرة وخطيرة، تواجه بلادنا وشعبنا اليوم. ومن يريد أن يواجه، أو يساهم في مواجهة هذه التحديات الخطيرة، عليه أن يحسب، بدقة، لا طبيعة الشعارات والأهازيج والأغاني الثورية المطلوبة (على غرار طلعنا عليهم طلوع المنون) بل عليه أن يحسب الأولويات وموازين القوى والظروف المحيطة وقوى المجتمع واستعدادات هذه القوى... فليس أسهل، في حياتنا العربية، من نظم الأناشيد، وأجتراح القصائد، وخط اللافتات، لكنها، للأسف، لم تحرر لنا شبراً واحداً طوال ستين سنة من تاريخنا العربي الزاهر.

الى الاعلى