من وجهة النظر النقدية تُعد السجالات والمعارك الفكرية والثقافية، وحتى السياسية، دليلاً على حيوية وجدلية هذه الميادين المعرفية، وعاملاً من عوامل إغناء وتكريس الجوانب الإيجابية فيها. بيد أن انزلاق هذه السجالات إلى نوع من المهاترات والمناقشات الشخصانية العقيمة، الخالية من روح النقد العلمي الموضوعي، والممتلئة ضغينة ضد الآخر، المختلف معه، يدفع بها نحو هاوية التجهيل والخواء والاستغلاق. وهذا بالضبط ما حدث ولا يزال يحدث، في أوساطنا الثقافية والاجتماعية، مع كل هزة من الهزات، التي تتعرض لها الحياة السياسية العربية، إذ سرعان ما تتحول، تلك الثقافة، إلى " ثقافة محاكمة وتخوين" على حد تعبير الباحث السوري تركي علي الربيعو، الذي يناقش هذه الظاهرة بإسهاب في كتابه "عقلية التخوين في الخطاب العربي المعاصر" وذلك جراء ميلها الدائب إلى نفي الآخر وتخوينه وإقصائه، إن لم يكن تشريده وطرده.

    ومثلما كان ديدن الاستشراق " وضع الشرقي في المحكمة والتأديب" حسب استخلاص أدوارد سعيد، ورثت الثقافة العربية، عن الاستشراق، ذلك الميل، الذي يكاد أن يكون علامتها الفارقة لمحاكمة الآخر وتأديبه، بصرف النظر عن موضوعة الحوار وطبيعة الاختلاف. وكما يقول  الربيعو فإن من يريد أن يتجشم عناء البحث في أروقة العقلية التآمرية، التي طبعت الثقافة العربية، سيعثر على مادة ببلوغرافية مرعبة تتصدرها عبارات التخوين ويتضمنها ذلك النزوع إلى محاكمة المثقفين لبعضهم البعض ومحاكمة الذات المجتمعية باعتبارها مصدراً لكل الشرور والآثام.

    إن عيوب الخطاب الثقافي العربي وإشكالياته ومرجعياته المؤدلجة، التي حولته، طوال العقود المنصرمة، إلى خطاب تخويني متمترس في ذاته يرفض الحوار والرأي الآخر، تتجسد اليوم، كما بالأمس، في ذات "العقلية التآمرية" التي طبعت الثقافة العربية منذ نكسة حزيران 67  وحتى اليوم. فمن تسعفه الذاكرة، أو المصادر، سيتذكر حتماً تلك السجالات الصاخبة، التي اندلعت في أعقاب هزيمة حزيران، وكيف أصبح المجتمع العربي برمته ميداناً لتجريب الأفكار والنظريات، ومرتعاً للأحكام الانطباعية والمحاكمات الجائرة، حتى تحول، ذلك المجتمع، إلى " فأر" اختبار جرّب عليه الجميع طروحاتهم الثورية ووصفاتهم الجاهزة، وإذا به مصاب بألف عقدة سيكولوجية لا تنفع معه أساليب التحليل والعلاج النفسي، وكأنه كارثة إنسانية أكثر منه مجتمعاً بشرياً، على حد تعبير المفكر برهان غليون.

    وها نحن نرى اليوم كيف يراد تحويل المجتمع العراقي إلى " فأر" جديد لاختبار النظريات والشعارات الثورية عبر خطاب التهييج القومي وثقافة المحاكمة والتخوين، وعبر طريقة التفكير الانفعالي، التي  تغزو الحقل الثقافي وتسيطر عليه وتدفعه، بالتالي، إلى حالة من التمترس تلقي بظلالها على مجمل نتاجات هذا الحقل وإبداعاته، مغلبة الجزئي على الكلي ومستبعدة النقد الذاتي ومحتفية بالشعاراتية وإعلاء شأن القوة المجردة وتغييب أرضية الحوار الموضوعي.

    وإذا كانت هذه هي مفردات وآليات الخطاب الثقافي العربي في تجلياته السياسية فإن تجليات هذا الخطاب على الصعيد الفكري والإبداعي ستبدو أشبه بالفضيحة في ظل تهافت المناهج النقدية وغياب المرجعيات المعرفية، الأمر الذي يجعل من الفوضى قاعدة ومن الحرفية استثناءً، فيما تصبح الشعاراتية سقف التاريخ والواقع حقيقة عابرة ومنفية.