أقمت، خلال الثلاثين عاماً الماضية، علاقات مع نساء كثيرات، بعضها كان مجرد صداقات عابرة، وبعضها الآخر كان أبعد من ذلك. وعلى العموم أتيح لي أن أتبادل القُبل مع غالبية من أقمت معهن علاقة عاطفية.

يختلف طعم هذه القُبل من واحدة الى أخرى، وفقا لطبيعة ونوع العلاقة، أو تبعاً لحساسية الواحدة منهن. وأحياناً تبعاً لطبيعة المكان، بيتا كان أم شارعاً مظلماً، أم حديقة، أم زاوية مظلمة تحت درج بناية. وإن شئنا الدقة يمكن القول أن لكل قُبلة طعمها الخاص. فهناك قبلة طائرة تشبه وخزة الدبوس، لذيذة لكنها سريعة الذوبان. وأخرى هادئة مليئة بالحنان والرقة، وهناك قُبلة ساخنة تغور في أعماق الحواس فتحدث لذة لا توصف. وكما يقول التاويون فإن للقُبلة، ثلاثة ينابيع، الأول يدعى زهرة اللوتس، حيث يتفجر سائله من فتحتين قائمتين تحت لسان المرأة، وهذا السائل يجري بغزارة عند المداعبة، وهو شفاف وذو فائدة عظيمة. والينبوع الثاني وسائله كالثلج الأبيض ينفجر من النهدين، لونه أبيض وطعمه حلو، ومن فوائده تنظيم الدورة الدموية لدى المرأة والرجل، كما أنه يبعث الراحة في الجسد والروح. أما الينبوع الثالث ويعرف بإسم الفطر الأرجواني، أو مغارة النمر الأبيض، فسائله لزج ويدعى زهرة القمر، وهو لا ينفجر أو لا يجري إلا بعد أن تفتح القصور جناتها وتخفت الأصوات حتى تصبح همساً.

على أية حال ليس موضوعنا أية قبلة وإنما تلك القبلة، التي لم تتكرر طوال الثلاثين سنة التالية من حياتي. وقبل أن نتحدث عن القبلة لابد من الحديث عن صاحبتها. ففي الصيف ننام على سطح بيتنا، كما هو حال غالبية العراقيين، هرباً من الحر اللاهب، وفي صباح من الصباحات، وكنت أصحو متأخراً دائماً، فلا أجد سواي على السطح، لاحظت أن هنالك فتاة على سطح الدار المقابلة لنا، تتأخر، هي الأخرى، عن النهوض من فراشها. دفعني الفضول وأشياء أخرى، الى النظر إليها من جدار سطحنا فوجدت أنها، هي الأخرى، تسترق النظر نحوي بدوافعها الخاصة.

توالت الأيام والصباحات المتأخرة، فتحولت النظرات المتبادلة الى تحايا صباحية. ثم الى ابتسامات ووشوشات وإشارات بالأيدي. وتطور الأمر بعد ذلك، فكنت، حين اذهب الى عملي أو أعود منه، تنتظرني تلك الفتاة وراء الباب، الذي تتركه موارباً، فألقي عليها التحية همساً وتردها بتحريكة من شفتيها.. ولمناسبة الحديث عن الشفاه لابد من الإشارة الى فرادة شفاه تلك الفتاة، فهي أشبه بحبتي كرز تميلان الى حمرة شفافة.. منذ اليوم الأول الذي مررت به بجوار بابها الموارب سحرتني تلك الشفاه الى درجة أنني كنت أتلمض بعد أن أتجاوز باب بيتهم. في مرة من المرات، وكنت قادماً من عملي ظهراً، رميت لها من شق الباب برسالة صغيرة مطوية طياً فالتقطتها فوراً وأغلقت الباب.

كتبت لها في الرسالة، أو القصاصة الصغيرة، كلمات حب غاية في الرقة، وطلبت منها أن نلتقي في مساء ذلك اليوم.. كان الطلب صعب التحقيق بطبيعة الحال، بسبب الأجواء المحافظة السائدة من جهة وانعدام وجود أماكن لمثل هذه اللقاءات في المدينة من جهة ثانية. ولهذا فقد هددتها بأنني سأزعل، ولن أنام على السطح، ولن أمر من أمام باب بيتهم، إن لم تلب طلبي باللقاء.

انتظرت المساء بفارغ الصبر والحيرة، فقد كنت شبه متأكد من أنها لن تأتي، لكن أملاً خفياً مدعوماً بتهديداتي، كان يداعب مشاعري بأنها ستفعل ذلك. كنا نسكن عند أطراف المدينة وكانت البيوت والشوارع العامة الضاجة بالحركة وبالمحلات والدكاكين، تقع كلها على يمين بيوتنا، أما على يسارها فكانت هناك فسحة واسعة، خالية من البناء، تحاذي الشارع العريض الفارغ أيضا من أية حركة.

ومما زاد في خلو هذا الشارع، نصف المضاء وشبه المظلم، أن تلك الأيام كانت أيام عاشوراء. ولأن مجالس العزاء الحسينية تقام في الجهة الأخرى من المدينة، فقد كان الناس يذهبون الى تلك الجهة، فلا تبقى في جهة شارعنا الموحش، سوى الكلاب السائبة والقطط الجائعة. في هذا الشارع كان موعدي المؤمل.

بعد أن هبط المساء، كنت قد ارتديت ملابسي وتعطرت وخرجت لأقف بجوار بيتنا منتظراً. وماهي إلا دقائق حتى تحققت المعجزة العاطفية، فقد جاءت متلفعة بعباءتها السوداء لا يظهر منها سوى عيناها وأنفها. سرت متقدما عليها خطوات حتى بتنا بعيدين بعض الشيء عن بيوتنا، فتقاربنا وكاد جسدانا أن يتلامسا لولا حذرها الزائد… تكلمنا كلاماً لا أتذكر منه غير عبارات المجاملة المصحوبة بالخوف والرعشة… خوفها هي ورعشتي أنا، فقد كان في روحي وعقلي هدف واحد من ذلك اللقاء هو تقبيل ذينك الكرزتين اللامعتين بالحمرة الشفافة. اقتربت منها أكثر حتى شعرت بأنفاسها تلفع وجهي. كانت خائفة وكنت مندفعاً فأمسكت بخصرها بكلتا يدي وسحبتها فانضغط نهداها الصغيرين على صدري. كانت تصدر لهاثاً أشبه بلهاث النائم. حاولت أن تدفعني ثم تمسكت بي بقوة فاندفعتُ مقبلاً شعرها وجبينها ورقبتها، فأحسست بأن جسدها كله صار ثقيلاً بيدي، وأخذت ترتجف ويزداد لهاثها… ضغطت على خصرها مرة أخيرة وقبلتها من شفتيها قبلة عميقة، شعرت معها، وكأنني غبت عن الوعي. وما أن صحوت حتى وجدتها وقد انسلت بين يدي وسقطت على الأرض… فوجئت وخفت، حاولت أن أساعدها على النهوض فوجدتها في حالة إغماء حقيقية… ازدادت مخاوفي فرحت افرك لها يديها وأتوسلها أن تنهض… دام الأمر بضع دقائق حتى عادت الى الوعي فنهضت وهي في شبه غيبوبة.

أوصلتها الى مكان قريب من بيتها وتابعتها حتى دخلت، ومنذ ذلك المساء قررت أن لا أعود لرؤية تلك الفتاة مرة أخرى… وللمناسبة كان اسمها زنوبة.

الى الاعلى